«نيركوك» لصُّ منازل محترف صنعته الحرب الأهلية السودانية

3

كلمة «نيركوك» تعني بلغة سكان جبال النوبة بجنوب منطقة كردوفان بالسودان «طفل» أو «ولد». مخرج الفيلم «محمد كوردوفاني» اختار أَنْ يحكي عن آثار الحرب وما تسبّبه من دمار في الأفراد والمجتمع جدة – (هنا روما)

نص: خالد ربيع

لعل المشاهد لفيلم «نيركوك» السوداني القصير (20 دقيقة) إنتاج عام 2016م لا يتوقف فقط عند قصة الطفل «آدم» الذي فقد أباه إثر غارة جوية أثناء حرب الجنوب السوداني، بل أنه سيستعيد قصص مآسي الأطفال الذين تَشَكّلَ مصيرهم على أيدي المستغلين المارقين على القانون وعن كل عرف إنساني وبالتالي سيقف مجدداً على مأساة بلد نهبها اللصوص في وضح النهار…. وهكذا بعد الغارة الجوية يصبح «آدم» مضطرًا للهروب من بلدته ويذهب إلى الخرطوم ليستطيع البقاء حياً، ويتحول هناك إلى أشهر وأمهر لص منازل متفوقاً على الكثير من اللصوص أمثاله.بداية لا بد أن نعرف أن كلمة «نيركوك» تعني “طفل” أو “ولد” بلغة سكان جبال النوبة بجنوب منطقة كردوفان بالسودان. لذا فإن مخرج الفيلم «محمد كوردوفانى» إختار أَنْ يحكي عن آثار الحرب وما تسبّبه من دمار في الأفراد والمجتمع، وقد انهارت الأخلاق وتبدّدت قيم الإنسان، وأصبحت السرقة هي الوسيلة الأسهل للعيش، لهذا نرى تأثير الهوان بعيون ذلك الطفل الذي كان يعيش حياة طبيعية هانئة مع والده وأسرته وفجأة وجد نفسه يحيا حياة لم يختر أيًا من تفاصليها. وهنا تتمثل اإادانة التي يوجهها الفيلم إلى الحرب وإلى السياسة التي عجزت عن إيقافها قبل أَنْ تفرز خبثها.حرفية تنفيذ الفيلم
الفيلم مُنفّذٌ بحرفية جديرة بالتقدير، حافظ فيه مخرجه على إيقاع محموم ينقل حياة الليل التي يعيشها اللصوص، وفي نفس الوقت روى، في زمنه القصير، ما يمكن أَنْ يرويه فيلم طويل، فالعناصر الفيلمية والشخصيات والحبكة والصراع تكاد تبلغ أعلى درجات الاكتمال، ناهيك عن سيناريو الفيلم المحبوك، وتصويره ومونتاجه ورؤيته الاخراجية الاحترافية.تتصاعد الأحداث إذن، ويلتقي النيركوك آدم بطفلة مشردة مثله (آمنة) فتقنعه بأَنّ السرقة عمل غير شريف، وأنها تكسب من عملها في بيع “التسالي” بشكل مُرْضٍ وأَنّه رزقٌ حلال أَفضلُ من الحرام، غير أن الامور تتعقد حين يُقرر آدم أن يحرر نفسه من سيطرة رئيسه، بلطجي الشوارع، (مازدا) الذي يستغله ويستغل أطفالاً آخرين لتنفيذ عمليات السطو على المنازل، فيعتزم آدم أن يبدأ صفحة جديدة وينوي الهرب من هذا الواقع الذي لا يرتضيه، في حين تواجه آمنة (ترمز للفضيلة والشرف والعمل النزيه) العقوبة القاسية من مازدا لأنها حرضت آدم على ترك السرقة والابتعاد عن عالم مازدا.
لم يتمكن آدم من الفكاك من سطوة مازدا، وسرعان ما يتورط في جريمة قتل أثناء مساعدته للبلطجي في سرقة أحد المنازل. ولكن لماذا أطلق آدم النار على صاحب المنزل؟ظلال الحرب الاهلية
هكذا يُلفت الفيلم النظر إلى ظلال الحرب الأهلية الثانية في السودان والتي بدأت في عام 1983، ووما تزال آثارها مخيّمة، تلك التي بدأت بعد 11 عاماً من الحرب الأهلية الأولى بين أعوام 1955م إلى 1972م، دارت في جنوب السودان، وتعتبر إحدى أطول وأعنف الحروب في القرن، وراح ضحيتها ما يقارب 1.9 مليون من المدنيين، إلى أن انتهى الصراع رسمياً مع توقيع اتفاق «نيفاشا» للسلام في يناير 2005 واقتسام السلطة والثروة بين حكومة رئيس السودان ـ المخلوع ـ عمر البشير وبين قائد قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قَرَنْقْ.. إنه الفساد الذي أدى الى سرقة وطن باكمله واقتسام خيراته ليرزح تحت وطأة بلطجية كبار، ساسة وتجار من الشمال ومن الجنوب … هذه هي رمزية الفيلم النابهة التي مرّرها السيناريو بلغة فنية رفيعة. ومن ثم يتحول السارق المحترف والمجبور (آدم) الى قاتل لمواطن آمن لا يطمع في شيء سوى في تربية ابنه وفي حياة هادئة… وهكذا حال الشعب المغلوب على امره.
الفيلم يُفصح ولا يُفصح ويعرض قصة بشكلها السطحي، ولكن المشاهد الفطن لا تغيب عنه قراءة ما بين السطور.منطق مازدا يحتج مازدا على حديث آدم. بأن الذي يسرق سيُدخله الله النار. فيقول أليس الله هو الذي جعلنا جوعى ولا نجد ما نأكله. حقنا أكله التماسيح الذين يُهيمنون على البلد. مضت سنوات وأنا أستجدي التماسيح وهم يقولون لي: «الله كريم، الله سوف يعطيك». لكن الله لم يعطِني وقد أخذتُ حقي بمفردي»…
هذا هو منطقه الاحادي الساخط على التماسيح الذين أفقروه.الركض والهرب صوب المجهول
يُطلق آدم النار على صاحب المنزل الذي، هو ومازدا، بصدد سرقته.. نرى آدم وقد خرج من البيت وأخذ يركض ويركض، مبتعداً عن مسرح جريمته وعن كل هذا العالم الموبوء. لقد قتل هذا المواطن البريء لأنه يريد أن يقتل الخنوع والاستسلام وبالتالي يريد أن يفعل شيئاً يُنفّس عن سخطه وبالتالي يجد مبرراً لهربه… أخذ يركض في وحشة الليل ويركض في ظلام المدينة الهاجعة الغافلة عن قدرها، ويركض لعله يجد آمنة هناك لتُخلّصه من واقعه، موسيقى عذبة وموحية يبثها “شاف أحمد” يمزج فيها حساً شفيفاً للبيانو والكونتر باص مع نكهة سودانية لعزف الناي والتي تذكرنا بلغة الموسيقار حافظ عبدالرحمن ، بكل ما فيها من أبعاد الهوية وبوح الحياة السودانية الحنونة، ولكنّ “شاف” أراد لها، هنا في الفيلم، أَنْ تقول ما لا تقوله الكلمات وأَنْ تنتحب وتنعي آدم وهو يركض ويركض حتى كادت أن تصدمه سيارة، فيصرخ سائقها: فلاتي مغفل!!…
نعم يقصد كاتب السيناريو ومخرج الفيلم أن يجعلنا نفكر في: هل أن آدم حقاً فلاتي مغفل. متشرد غبي؟
وددت لو أن مترجمة الفيلم “إسراء مضوي”ترجمت عبارة فلاتي مغفل بـ متشرد أحمق، حيث تكتمل الدلالة.
يركض آدم إلى ما لا نهاية… وفي بوستر الفيلم نراه وقد توقف ينظر إلى بزوغ فجر الصباح المحمل بالأمل والحرية.

جوائز نالها الفيلم

نال الفيلم جائزة «شبكة الشاشات العربية البديلة ناس» لأفضل فيلم قصير في مهرجان قرطاج السينمائي في تونس، وجائزة الجمهور في مهرجان السجادة الحمراء للأفلام القصيرة بالبحرين. وفاز بطل الفيلم الطفل فخر الدين طارق بجائزة أفضل ممثل. كما فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان وهران للفيلم السينمائي العربي، كما حصد جائزة الفيلم الأسود في مهرجان السودان للسينما المستقلة 2017م.

فريق التمثيل

أدّى الممثل خالد أبو عشارة دور (مازدا) بلطجي الشوارع أو رئيس عصابة تشغيل الأطفال، ووأدّى الصبي طارق فخر الدين دور آدم (النيركوك)، والممثل أحمد سيد أحمد دور صاحب المنزل المواطن الذي يتعرّض إلى القتل، وأدّت الطفلة مروى محمد في دور (آمنة).الطاقم الفني
مساعد المخرج محمد العمدة. سينماتوغراف خالد عوض ومحمد العمدة. مدير الإنتاج محمد الأمين. موسيقى ومؤثرات صوتية شاف أحمد. ترجمة إسراء الضوي. مونتاج محمد كوردوفاني.لم يسجل تتر الفيلم اسم فني الإضاءة الذي توفق في بعض المشاهد وأخفق في أخرى، خصوصا المشاهد النهارية الخارجية.
المخرج محمد كوردوفاني، صانع افلام ومنتج سوداني مقيم بالبحرين يعمل مهندساً للطيران، أخرج أول أفلامه القصيرة «ذهب ولم يعد» في عام 2015م. ويُبشر فيلمه هذا بمخرج واعٍ يمتلك مفاتيح لغة السينما الرصينة.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!