هجمة خميس الشرهة

5

يحيى فضل الله

بنات الحلة الصغيرات كنسن الساحة في ذلك العصر
الأطفال الصغار بمتعة متناهية تنتمي إلى اللعب رشوا رمل تلك الساحة بالماء، داخل البيوت كانت النسوة يقمن بتجهيز تفاصيل الإفطار الذي سيخرج إلى تلك الساحة في الصواني المغطاة بالأطباق الملونة، دائما النسوة يتنافسن في افطار يوم الجمعة، يوم الجمعة يوم خاص في أيام رمضان لذلك لابد من توسيعة فيه، أطباق طعام خاصة في ذلك اليوم مشروبات خاصة تكسر ديمومة مشروب الحلومر و الآبري الأبيض في الأيام العادية.
اقتربت الشمس من مغيبها و قد رصت البروش على تلك الساحة، بدأت صواني الطعام تتوافد من داخل البيوت إلى الساحة، الشيخ عبد التواب كان أول من جلس في الساحة يعترض طريق المارين في الشارع داعيا إياهم للافطار و بالحاح سوداني تلقائي لا علاقة له بالموائد المفتعلة جدا هذه الأيام.
أذن الأذان وبدأت الحلوق تستقبل المشروبات الرمضانية، الأصابع تتلقف البلح الملين بالماء وكعادة الشيخ عبد التواب اكل بلحتين و شرب القليل من الماء ونادى في ذلك الجمع وكأنه يحاول التخلص من عبء الإمامة
(الصلاة يا اخوانا)
وهم الجميع، أبعدت صواني المشروبات ووضعت بجانب صواني الأكل المتنوع و الشهي في ذلك اليوم الجمعة، رصت كل الصواني خلف البروش وأقام محمدين الصلاة بصوت قوي.
أثناء اصطفاف الجمع وحين كبر الشيخ عبد التواب التكبيرة الأولى كان خميس قد اقترب من تلك الساحة بعد أن خرج من مخبئه خلف صريف بيت صلحة الدلالية، خميس عادة ما يداهم موائد الإفطار في رمضان ويداهم ملمات العوازيم بمناسباتها المختلفة، كان خميس أبله لا يؤاخذ على أفعاله وهي أفعال أدمنت اقتحام العزائم لأن به شرها مجنونا للطعام، يستطيع خميس أن يقضي علي عزومة كاملة تكفي لأكثر من عشرين شخصا، المهم اقترب خميس من صواني الطعام والمشروبات و المصلون كانوا ينحنون للسجدة الأولى من صلاة المغرب، القريبون من تلك الصواني الموضوعة خلف البروش أحسوا باقتراب خميس، هكذا كان الوضع خميس خلف المصلين وأمامه الصواني متاحة، خميس يقترب أولا من الصواني التي بها المشروبات الرمضانية، يرفع غطاء كورة و يصيح بانفعال (كركدي لا إله إلا الله).
ويسمع المصلون حركة مشروب الكركدي و هو يمر بحلق خميس بقرطعة عالية، الشيخ عبد التواب يحس بمداهمة خميس ويرفع صوته عاليا بالتكبير ومحمدين يكرر ذلك بصوت أعلى وكأنه يحاول بذلك إيقاف فعل خميس.
خميس يرفع غطاء سلطانية و يصيح فرحا
(قمر دين لا إله إلا الله).
ويعلو صوت الشيخ عبد التواب بالتكبير متماهيا مع محاولة إبعاد خميس.
ويعلو بدرجة أعلى صوت محمدين مقيم الصلاة و هي محاولة أيضا لإبعاد خميس عن الصواني ولكن على طريقة إياك أعني يا جارة
(قدو قدو لا إله إلا الله)
المصلون يتململ منهم من يتململ بريبة داخلية تحاول ادعاء الخشوع.
خميس ينتقل إلى صوان الطعام، يرفع طبقا عن صينية و يصيح متهللا
(لحمه محمرة لا إله إلا الله)
ويتداخل صوت الشيخ عبد التواب العالي اكثر من اللازم وهو يقرأ سورة صغيرة من القرآن مع صوت مضغ خميس النهم
(حمام محشي لا إله إلا الله )
محمدين يهدد بصوته خميس و هو يقول(سمع الله لمن حمده )
(كمونية لا إله إلا الله)
الصلاة تضطرب والخشوع بهتز بهذا المهدد الخطير
(باميه مفروكة لا إله إلا الله )
احدهم في الصف الأخير لا يملك إلا أن يلتفت ليرى خميس وهو يشرب ملاح البامية بطريقة غريبة و يرجع إلى صلاته خائفا من فضيحة انفلات خشوعه
(جدادة محمرة لا إله إلا الله )
وهنا لم يحتمل الامام الشيخ عبد التواب هجمة خميس الشرسة و الشرهة على صواني الطعام وبعد أن فقد خشوعه ما كان منه إلا أن قطع الصلاة صائحا
(ما ما معقول يا خميس ).
وهجم بقية المصلين على خميس الذي فر و هو يحمل بين يديه صحن فتة كبيراً مزيناً بالأرز واللحوم وكان يضحك بطريقة غريبة
وبغضب جائع قال نور العين الترزي للشيخ عبد التواب (يا شيخ عبد التواب تاني ناكلو اول حتى نصلو).
وهكذا تغيرت طريقة الشيخ عبد التواب في أداء صلاة المغرب في رمضان وذلك خوفا من هجمة خميس الشرهة.

التعليقات مغلقة.