هشاشتنا هي قوتنا “كورونا والموت القادم”!

2

 

 


عبد الجليل سليمان

هناك أشياء تستمد الحياة والقوة من الفوضى، فتصمد أمام المقادير العاصفة رغم هشاشتها، إذا ما تمكنت بشكل أو آخر، بصورة ما، من التأقلم والتكيّف مع المرض، كما نفعل مع الملاريا، أزهقت مِنا آلاف الأرواح، لكننا تصالحنا معها، فطوّرت من أساليبها، وكرت علينا مرة أخرى، فانتج لنا الخواجات (كينين، وكلوركين، وروزيشين، وفاسندار …الخ)، فصار الواحد منا يتناول الدواء ويذهب إلى الدوام.
هذه الملاريا، قتّالة للبشر، إذ أصيب بها أحدهم، فإن روحه ستفيض في التو والحال، لكنّها وبعد تجارب مريرة معنا ومقاومة، وأخذ ورد، وكر وفر، عقدت معنا اتفاق صرنا من بعده نعيش حالة اللا حرب اللاسلم الراهنة.
الآن، يشن الفايروس الصغير الفتّاك حرباً ضروساً على البشرِّية، يقتل ويُقْعِدْ، ويهدد ويتوعد، ويزيح الناس من الفضاء العام إلى الأحواش والغرف الضيقة، يلتصق بملابسهم وأيديهم وأطعمتهم، يتربص في أجسادهم، ويتنظر غفلة صغيرة ما، لينتقض على الحلوق، ويكمن هناك، يُؤسس جيوشاً ضخمة، ويُنشئ مصانع لينتج أسلحة بأيولوجية فتّأكة، ويشتعل بجدٍ في الصدد، حتى إذا ما أكمل الإعداد، تحرك إلى الرئة وضرب مركز الجهاز التنفسي ومنع الأوكسجين.
الآن، فإن الناظر للعالم، يجده فاقداً للحيوية، متوقف الحراك، خامل، ساكن، صامد، فمنذ أن فارق ضجيجه خشية كورونا فايروس الجديد، تغير كل شئ، لم تعد الحياة هي الحياة، ولا العالم هو العالم الذي نعرف.
يبدو أننا نعيش ولا نعيش.
عاجزون نقف، خائرون نمضي، محبطون نلتزم قعور بيوتنا، ننظر إلى بعضنا بريبه، نتجنب بعضنا، نبتعد عن بعض، وإذا ما قابلت أحدهم صدفة في مكان ما (في الشارع العام) فإنك سترتبك وتتزحزح وتدعو الله أن يذهب عنك سريعاً، فلا وقت للثرثرة.
نحن في العالم الثالث، قد نجد أنفسنا في لحظة ما، أمام الحقيقة الكبرى، وهي أن نعود إلى العمل، لا خيار لدينا، نحن الفقراء إلاّ العمل، حينها سنعلم كم بلغت بنا هشاشتنا، وسنعلم كم بددنا في السنوات في اللهو والعبث والجدل السخيف، سنعلم إنّ حكامنا الوطنيين في دولة ما بعد الاستقلال، أسوأ بما لا يُقاس من الحكام الاستعماريين، وإن كل ما تركه لنا الاستعمار دمرناه، وعدنا إلى عصر الدواب والأعشاب وعروق المحبة وشُرب المحايات والحجامة و (البصيرة أم حمد).
كم بلغنا من الهشاشة، حتى إذا ما هاجمنا كورونا فايروس، نستطيع أن نصمد أمامه ونهزمه؟ لربما نلتزم بالحجر لشهر، ربما لشهرين، وهذا احتمال غير وارد، لكننا نفترضه على سبيل الاحتمال. ثُم سنخرج إلى أعمالنا بينما ينتظرنا العدو متربصاً وكامناً في الخارج، فماذا سنفعل؟
حينها، لا قدّر الله، لن يكون أمامنا خيار إلاّ العودة مقترح بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا، الذي تراجع عنه، وهو العمل بموجب مناعة القطيع (herd immunity)، لكن هذه لن تكون ذات جدوى بتلقيح غالبية السكّان ضدّ كورونا.
ما الخيار إذن، نعود لنقول، إننا أمام خيارين فقط، أن نحجر أنفسنا ونتحمل فترة الحجر بحلوها ومرها، أو نواجه الموت بأيادٍ عارية.
لقد بلغنا.

 

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!