هكذا كانوا يفعلون !.. بقلم زهير السراج

0 13

في العام 1994م كنت رئيساً لشرطة كرري (الثورات) برتبة العقيد شرطة، حضرتُ مبكراً صباح جمعة لزيارة قسم الشرطة، فوجدت حراسة المنتظرين مكتظة بالمشتبه بهم، وأثناء تفقدي الأحوال أخطرني الرقيب المناوب بأن ثمة فتاة أُحضرت عند الواحدة صباحاً وبصحبتها رجل، بعد أن تم ضبطهما وهما عاريان داخل منزل بواسطة الملازم أول ورهط من اللجنة الشعبية بالحي !
* أين الرجل ؟ ” داخل الحراسة ! أين الفتاة؟ داخل مكتب الضباط ! ولماذا داخل مكتب الضباط ؟ الفتاة شبه عارية إلا من قميص نوم يغطي بعض جسمها، وأين ملابسها ؟ الملازم أول قال يحتفظوا بملابسها في مخزن المعروضات عشان المحكمة !
* اصطحبته للتحري أمرها، فسبقني أنفي لرائحة العطر السوداني المميزة، وبعدها لحظتُ الفتاة وهي تحاول عبثاً لملمة قميصها القصير بحثاً عن سترة، قفلتُ راجعاً ووجهت الرقيب بتسليمها ملابسها كاملة لترتديها، ومن ثم إحضارها لمقابلتي بالمكتب برفقة الرجل الذي ضُبطت معه !
* تم احضار الرجل والفتاة، وتبدو عليهما آثار الدعة والنعمة، كانا متألمين ومتأثرين للموقف المحرج الذي أوقعهما فيه القدر .. باغتُّه بالسؤال، يا زول الحاصل شنو، بت الناس دي بتعرفها من وين، وجبتها من وين ؟
* كانت الفتاة وقتها مطرقة في الأرض وهي تجهش بالبكاء، قال لي بكل ثقة : دي زوجتي يا سعادتك ! زوجتك كيف يا زول ؟ زوجتي على كتاب الله وسنة رسوله! وبعدها أخرج من جيبه جواز سفره وعليه إقامة بالمملكة العربية السعودية، ومعه نفس المرأة مرفقة صورتها بجواز السفر، وصورة طفل وطفلة، المهنة زوجة، دا كلام شنو دا، طيب جابوكم هنا كيف؟!
* قال لي : والله يا جنابو أنا ذاتي مستغرب، الحقيقة أنا مقيم بالسعودية ، وزوجتي دي ليها فترة مع أهلها هنا وأنا جيت في إجازة، وبيت أهلها ضيّق ومليان ضيوف، اقترح عليَّ صديقي “حسن” والذي قدر موقفي الاجتماعي أن أستعين بمنزلهم بالثورة ليلاً لمباشرة حياتي الزوجية المعلومة، وبالنهار أرجع لأطفالي في البيت الكبير حتى تنتهي إجازتي، وبعدين ؟، البارحة منتصف الليل داهمتني قوة من الشرطة واللجنة الشعبية وقفزوا من فوق الحائط، وجدوني وزوجتي كما خلقنا الله على سرير واحد، فاعتدوا علينا وضربونا وخفرونا ضيوفاً بحراستكم، بالرغم من محاولاتي عبثاً اقناعهم بأنها زوجتي، بالخلعة كابست جلابيتي ولبستها، عرضت عليهم جواز سفري وإقامتي وصورة زوجتي داخل جوازي كإثبات، وحاولت اقناع الضابط ولكنه صفعني وسألني وين قسيمة الزواج ؟ .. طلبت منهم امهالي وارسال شرطي معي لإحضار القسيمة، ولكنهم رفضوا وأركبونا في بوكس كاشف وزوجتي شبه عارية، ولم نسلم من الاساءات البذيئة والتهديد!
* لم يكن أمامي شيء سوى الاعتذار بشدة للرجل وزوجته، وعلى الفور وجهت باتخاذ اجراءات منفصلة وفتح يومية تحري عاجلة،
وارفاق جواز السفر كإثبات، ورفع الأمر لمولانا المغربي وكيل النيابة مع التوصية بشطب البلاغ، واطلاق سراح الزوج وزوجته فوراً .. تم الأمر ، فقمنا بتوصيلهما بعربة الشرطة الى نفس المنزل الذي شهد الحادثة، حتى يعلم الجيران وأهل الحي حقيقة الأمر قبل صلاة الجمعة، ثم توصيلهما الى منزلهما الكبير ولسانهما يلهج بالشكر لله على الأوبة الآمنة ولملمة الموضوع بحكمة!
* أصدرت توجيهات بعدم قبول أو تدوين أي بلاغ من اللجان الشعبية والشرطة الشعبية وشرطة أمن المجتمع وبالأخص ليلاً إلا بعد موافقة رئيس القسم شخصياً، توقفت هذه المهازل فوراً، ولكن الضربة القاصمة أتتنا عاجلاً من الوزير عبدالرحيم محمد حسين ، والمدير العام الفريق حسن أحمد صديق ، فقد تم استدعائي لمكتب الوزير وتقريعي بسبب شكوى وردت إليهما من معقل الكيزان المشهور بالحارة التاسعة بعدم تعاوني مع (ناس) اللجان في بلاغات ضبط المجتمع، وتم نقلي الى ولاية غرب الاستوائية، وبعد عامين أحلت الى الصالح العام!
عقيد (م) عباس فوراوي

اترك رد

error: Content is protected !!