هل نعاني كشعب من نقص في كرويات الديمقراطية الغراء؟

7

عبدالله علي إبراهيم

(أعيد نشر المقال في مناسبة أول مايو عيد العمال العالمي)

بت مقتنعاً أن حل بيان الانقلاب الأول للأحزاب غير مقصود لذاته. فهو عندي بمثابة عقوبة لها لأنها تراخت في ضبط الشارع السياسي الذي يمارس سلطانه من فوق منابره النقابية. فلو اتفق لنا جدلاً زعم مثل هذا البيان أن الأحزاب أفسدت الديمقراطية فاستحقت الحل فلماذا، بربك، يحل النقابات والاتحادات التي لا غبار باتفاق، على ممارستها للديمقراطية كمنظمات مدنية. بل إذا رأيت تركيز هذه النظم على قهر هذه النقابات، أو تدجينها بدغمها في الحزب الحاكم، لعرفت أنها لم تنقلب لسوءة الأحزاب بل لأن الأحزاب لم تلجم هذه القوى الشعبية في الشارع.

ثمة اتفاق أن منظمات المجتمع المدني مارست ديمقراطية مثالية. يكفي أن اتحاد طلاب جامعة الخرطوم تبني مبدأ التمثيل النسبي في النصف الثاني من الخمسينات بمبادرة من اليسار والإسلاميين وبرعاية الدكتور سعد الدين فوزي في ما روى لي الأستاذ أحمد عبد الرحمن. والمبدأ هو نفس مفهوم الديمقراطية التوافقية الذائع اليوم ويتطلع الكثيرون إليه. فمبدأ التمثيل النسبي يعطي كل ذي غزارة قاعدية من الجماعات السياسية الطلابية تمثيلاً مناسباً في أجهزة الاتحاد بعد الانتخابات بحساب ما يعرف ب”قوة المقعد” التي لها زنة معلومة. ووقع الطلاب على المبدأ بعد اضطراب ساد اتحادهم بسبب الانتخاب الحر الذي يُمكن لتنظيم واحد أن يستأثر بالاتحاد. فيضغن المهزومون فيتحالفون ضده في دورة من الكيد والكيد المضاد. ويتحمل تحالف الجبهات اليسارية كتابة الفصل الأخير من التمثيل النسبي إكراما لخاطر انقلاب مايو 1969. فعطلوا المبدأ و”كرشو” الإخوان من الحظيرة. ولما عاد الاتحاد في منتصف السبعينات عاد بالانتخاب الحر. واكتسح الإخوان كل انتخابات جرت فيه إلا قليلا.

أما عن النقابات العمالية فاتفق كل من منصور خالد ومحمد أبو القاسم على أنها كانت الحاضنة لممارسة ديمقراطية غاية في الإحسان. فرأي منصور في كتابه “حوار مع الصفوة” في النقابات قَلّ حتى بين حداتها الشيوعيين. فأعطاها ميزة في الحداثة والكفاءة مع عقيدته بأن “السودان نصفه متخلف بقرن وبضع قرن وراء حضارة العصر. ونصفه الآخر بدائي راكد لم يصل بعد إلى مرحلة التخلف”. ولن تجد حتى بين الشيوعيين من استخلص معاني منصور في الحركة الاجتماعية للطبقة العاملة لأنهم ربما دمجوها في هويتهم فلم تعد هي هي بل هم. فأثنى على نقابات العمال لمؤسسيتها من حيث صَمًامة الاتصال بين قيادتها وقاعدتها، وبتداول إداراتها بالانتخاب، ومحاسبة دورات القيادات خلال جمعياتها العمومية الراتبة. علاوة على ما ينعقد في رحابها من نقاشات حول مظالمها وخطط العمل والتعبئة. ورد هذه الأداء المميز لأنه “ومن حسن حظ الحركة النقابية أنها لم تقع في إسار القيادات التقليدية وإلا لانتهت إلى شيء أشبه بحزب العمال المصري برئاسة النبيل عباس حليم واللواء محمد صالح حرب . . . لانتهت إلى تنظيم انتهازي هدفه استجلاب الهتافة من المناطق الصناعية” (137-138).

بل ربما ماز منصور على الشيوعيين في تقويم حدث غير عادي وهو تمثيل العمال وغيرهم من الكادحين بتلك الصفات في مجلس وزراء ثورة 1964. وهو تقييم ربما غاب أيضاً عن فطنة الشيوعيين لمجرد أنهم لم يفرقوا بإتقان بينهم كحزب وبين الطبقة العاملة التي كانت أولتهم قيادها آنذاك. ففات عليهم “تذوق” تسنم الطبقة العاملة سدة بعض السلطة بمعزل عن حزبهم. فقال منصور إن أمارة ثورة أكتوبر الفارقة عما سبقها في حكم السودان هو “قيام حكومة اشترك فيها العمال والفلاحون”. وخلافاً للشيوعيين قلل منصور مُحقاً من اشتراك الحزب الشيوعي بمندوب عنه في وزارة الثورة. وقال إنه ليس بذات القدر من الأهمية. فهو حزب صفوة وقد ظلت الصفوة تحسبه دائماً كجزء منها (168). وهي صفوة لم يطرق إدراكها أن “الحكم ممارسته أمر يجب أن تشارك فيه كل القوى ذات الوزن في المجتمع الجديد. وبالحكم أعني مراكز النفوذ، مراكز التقرير” (169). ومن المؤسف أن منصور لم يدم على هذه المعاني الغراء طويلاً. فتساءل في نفس الكتاب عن معنى حرية التجمع النقابي في بلد 80% من أهله يعيشون إما في عطالة سافرة أو في عطالة مقنعة” (166).

ومن جهة أخرى نظر محمد أبو القاسم حاج حمد في كتابه “السودان: المأزق التاريخي” للحداثة العمالية في إطار خيبة المشروع الليبرالي. فمن رأيه أن عمر المشروع الليبرالي في السودان كان غاية في المحدودية. فقد عارض في فتوته الإدارة الأهلية ثم سرعان ما تبناها وكأنها منه وإليه. فأنشأ الإنجليز الإدارة الأهلية بعد ثورة 1924 “وليدة الحاجة السياسية للقضاء على مستقبل السودان السياسي المستنير”. وكانت مجلة “الفجر” الليبرالية ضد الإدارة الأهلية، وسمتها “الأرستقراطية القبلية”. وهاجمتها. وقبلها خرجت ثورة 1924 من الشعب وخاصمت الأعيان خصومة اشتهر خبرها بيننا مؤخراً. واتبعت الفجر جذرية اجتماعية نهضوية أرادت بها تجديد حلف اللواء الأبيض ناقص السياسة المباشرة.

ثم انتكست تلك الليبرالية. ونسب محمد أبو القاسم كبوتها لميلاد الحزب الوطني الاتحادي بزعامة الأزهري في ملابسات ضعضعة المثقفين. فقد جاءت معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا (التي التزمت بترقية السودانيين في الخدمة المدنية). ودنت بها المنافع والاستقلال. فلم ير المثقفون عيباً في مد اليد للطائفية. ومن جهة سال لعابهم ليتقووا بالقوى الشعبية. وبدلاً مد جسورهم المستقلة إلى تلك القوى طلبوا من الطائفية، بعد تقربهم منها، تعبئة تلك القوى لمشروعهم السياسي بعد الاستقلال.

وهنا يرى محمد أبو القاسم خلافاً بين حركة العمال وحركة مجلة الفجر. فقد خالفت الحركة العمالية مجلة الفجر بشق طريقها للعمال كعمال ولم تشترط كالفجر أن “تنحل” عند الناس الرابطة الطائفية للأفراد والجماعات. بل استثمرت الحركة العمالية هذه الطاقة الثقافية الطائفية لتتقوى بها. ف”النقابة”، في نظره، هي أكثر الإنجازات الديمقراطية وضوحاً في السودان. وهو يأخذ على اليسار إجهاضه المشروع النهضوي (المرحلة الوطنية الديمقراطية) بوعي استباقي ذاتي، بإرادة ذاتية فوق موضوعية الجدل. فصادر اليسار الجدل بالإرادة. فذٌبح وذبحت معه مرحلة كاملة بدأت بكتاب النهضة والفجر.

سأكتفي بالنقابات مثلاً على أن ثقافتنا الديمقراطية “حديد” وأن ممارستها في هذه القواعد أصولية وناجحة. فقد أذنت لا بتداول القيادة فحسب بل في تنشئة قيادات تعلم أنها رهن هذه القواعد: انتخبوك أو لم ينتخبوك بعد عرض ملكاتك عبر سنوات عليها. ولو توسعت في شأن هذه الديمقراطية لشملت الأندية الرياضية والاجتماعية، والزوايا الخيرية “القبلية”، وصناديق الختة، وكل اجتماع انعقد لسودانيين لقضاء غرض جماعي ما. وأذكر انتخابي صبياً في المدرسة الوسطى رئيساً لفريق كرة القدم في حينا في اجتماع انعقد في الحفر التي ترقد شمالي حائط مستشفى عطبرة. وهي مكب نفايات ورش السكة حديد

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!