هوايتنا المكايدات والمغاطات

7

 

د. محمد عبدالله الريح

اليوم إن شاء الله سأبدأ نشر رؤيتي للذي يحدث من جدال وصراع على الساحة السياسية وأرجع أسباب الخلافات إلى جذورها وأزعم أنني شاهد على العصر فقد شهدت جزءً من عهد الإنجليز (الله يطراهم بالخير) وزمن حكومة الرئيس أزهري التي جاءت بعد انتخابات سكومارسون 1954 وحكومة الاستقلال 1956 وحكومة عبدالله خليل عام 1957 وحكومة عبود واكتوبر ونميري وسوار الدهب والصادق المهدي والبشير إلى حكومة الثورة …
السودانيون من طبعهم الخلاف وذلك ناتج عن إرث العقلية البدوية الرعوية . السوداني العادي صاحب العيون العسلية الذي يبلع طوله 5 أقدام و7 بوصات والمولود في الأول من يناير لو رجعت به لجده الرابع تجده كان راعياً عنده قطيع من الأغنام قبل أن يستقر ويمتهن الزراعة . وكل التراث الغنائي الذي نعرض ونبشر وننضرب بالسوط ونحن في غمرة هوجة كان لابد أن تخرج في احتفالية مشهودة نعده إسترجاعا لذاكرة تمجد إنتصاراً في شكلة ما… من لدن دخلوها وصقيرا حام وشدوا لك ركب فوق مهرك الجماح والبجرجركم صقير وحدي الآلاف درجن ولدا نجيض ماك ني… وما إلى ذلك .. كلها شكلات إنتصر فيها جانب على جانب وإنطلق سرب الحكامات يوثق لتلك المعارك.
قبل سنوات حضرت صلحاً قبلياً من ذلك النوع الذي يعقب الصدامات القبلية. وكالعادة ذكر مفتش الحكومة المحلية بنود الاتفاق التي ارتضاها الجميع وحددت الدية على كل فريق حسب عدد القتلى الذين سقطوا من كل فريق. ولم يبق إلا أن يقسم الجميع على المصحف على أن يزيلوا ما بأنفسهم من ضغينة وألا يتربصوا بأفراد الفريق الأخر وأن يعيشوا في سلام. وقد أدى الجميع هذا القسم تحت تصفيق وتهليل وعناق وجو مشحون بمشاعر السلام والاخوة.. وبقي هناك شيخ عجوز كان ينتمي إلى أحد الفرقاء وهو الوحيد الذي لم يؤد هذا القسم فجيء به وهو يتوكأ على عصاه حتى اقترب من المنصة ووضع يده على المصحف الشريف وهو يقسم قائلاً:
وحات كتاب الله دا باقي عمري كله أقضيه في اللخبطة.
والتهبت المشاعر مرة أخرى و(الشكلة دورت).
هل نحن السودانيين بطبعنا لا نتفق؟

فمن ملاحظتي لسلوكنا في فترة خمس دقائق فقط .. تلك الدقائق التي نضع فيه المرحوم في قبره ونحن ننزله في مقره الأخير في (وداللحد) تسمع الكثير من الآراء المتضاربة التي تختلف وتتباين بطريقة مذهلة:
– ارفع الراس من هنا.. خد عليك شوية.. لا مش كدا.. إنت شيل الرجلين لورا شوية.. يا اخوانا قلبتوا الجثمان… دخل الميت عديل.. إنت أسمعني بس جر عليك زي ما قلت ليك.. أجر وين؟ ما ياها دي آخر حتة.. يا أخي وسع هنا.. أيوا.. انت مجنون؟ يوسع وين؟ هو على كيفو؟ ما ياهو شبر واحد .. إنت عايز تزيدو؟.. يا اخوانا الراس خليتوه مدلدل.. طيب ماتجي إنت تنزلو.. واقف وتوصف بس؟
إذا كان الناس لا يتفقون على الكيفية التي يقبرون بها موتاهم ويظهر من الآراء المتقاطعة في خمس دقائق فقط ما ينسف أية إتفاقية حتي ولو حرست بكل القوات الدولية في العالم فكيف يتفقون على مبادئ تحكم وجودهم في حزب واحد وكيان واحد؟
الخلاف ليس غريباً علينا . فعندما عرض الإنجليز على زعمائنا فكرة الجمعية التشريعية وذلك لتكون مقدمة لتدريب السودانيين على حكم أنفسهم رفضتها الأحزاب الإتحادية وصرح الزعيم الأزهري (لن نقبلها حتى ولو جاءت مبرأة من كل عيب). وقبلتها الأحزاب الإستقلالية وزعماء العشائر وقال حكيم السودان بابو نمر زعيم قبائل المسيرية : هسع كن كنت طالب زول مائة جنيه وأداك منهم 20 جنيه تشيلهم ولا تقول ليهو : لا .. لازم تديني قروشي كلها ؟ المفروض تشيلهم عشان تثبت عليهو الدين. ودلوقت نحنا نقبل الجمعية التشريعية علشان نثبت حقنا في الإستقلال على الإنجليز.
تاريخنا السياسي كله يزخر بالخلافات والمكايدات .
وأذكر قبل إستيلاء الجبهة الإسلامية على الحكم عام 1989م أن تفجر الخلاف في موضوع أبو حريرة من الحزب الإتحادي واسماعيل ابكر من حزب الأمة وخرج ابوحريرة وعاد اسماعيل أبكر.
و تفجرت مشكلة الدكتور أحمد السيد حمد وموضوع ترشيحه لمجلس رأس الدولة من قبل الحزب الاتحادي الديمقراطي وخروج حزب الأمة على الاتفاق واختيار الأستاذ ميرغني النصري لذلك المنصب بدلاً عن أحمد السيد حمد وانفض الائتلاف بعد أن وقع على شهادة وفاته السيد محمد عثمان الميرغني راعي الحزب والسيد الصادق المهدي رئيس الحكومة وكان من الطبيعي أن يبحث الناس عن صيغة جديدة ولكن أخذ ذلك البحث ثمانية أشهر والحزبان يحكمان بلا ائتلاف وقد كان ذلك من أغرب الأوضاع التي مرت على تاريخ اللعبات السياسية في العالم فالإيطاليون الذين برعوا في تغيير الحكومات وتبديل التحالفات وتكوين الاتفاقات لم يتوصلوا إلى الصيغة التي توصل إليها حزب الأمة والحزب الاتحادي صيغة الائتلاف بدون ائتلاف أو صيغة الائتلاف من خلاف وقد وضح جلياً أن الخلاف مهما كان شديداً فإن حب الأحزاب للحقائب الوزارية كان أشد فكل حزب وجماعته بما لديهم من حقائب وزارية فرحون ومكنكشون وقد امتدت هذه الكنكشة لحقائب مدهشة لثمانية أشهر. وقد برزت مشكلة خلافية أخرى بترشيح الجبهة للأستاذ المرحوم أحمد سليمان المحامي لمنصب رئيس الجمعية واستمر الخلاف مستهلكاً كل مخزوننا القومي من الصبر والحكمة والفطنة. ولم تغرب شمس ذلك الخلاف إلا لتظهر مرة أخرى في إجازة القوانين الجنائية والتي قدمت للجمعية التأسيسية والتي مرت بإجراءات اختلف الناس في تأويلها. وظلت مسيرة الخلافات عامرة متوجة إيقاعها بالخلافات التي ظهرت بعد مبادرة السلام التي قادها السيد محمد عثمان الميرغني مع قرنق ما بات يعرف (بتوضيحاتها). وظلت الخلافات تبرز على جسم النظام الحزبي الحاكم بعد الفترة الإنتقالية كالأكزيما. و قضينا ثلاثة أرباع الوقت من عمر تلك الحكومة والأحزاب تتفق وتختلف وتأتلف وتتمدد وتنكمش من أجل مصالحها الخاصة وكراسيها الوثيرة، ولم يبق لها إلا أن تعمل في زمن الركلات الترجيجية. ولكن تبقى سمة الخلافات هي السمة السائدة في مواقفنا السياسية وربما يعود ذلك إلى جد جدود السودانيين جميعاً (بالمواطنة) والذي قيل له إن ذلك (ثور) فقال أحلبوه. وقد نبشت في كتب التراث وكتب الأمثال في جميع الأمم فلم أعثر على شبيه لذلك المثل السوداني ولم أعثر على جد مثل ذلك الجد المتعصب المتطرف والذي يصر على حلب ذلك الثور بالرغم من علمه المسبق بحقيقته البيولوجية التي لا تقبل الجدل.

(نواصل) .

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!