وافق أو نافق وإلا ففارق

15

عصمت عبدالله
أن تكتب أو تقول سبعاً من الكلمات أو العبارات ذات المغزى والهدف السامي والبعيدة عن المجاملة والمحاباة والمحسوبية لأشرف آلاف المرات من خطبة كاملة المكونات والمحتويات النفاقية ابتداءً من (سيدي) مروراً بأكواب من عصيرٍ مركزٍ ومياه عذبة يوضع على منضدته، وشعب مغلوب على أمره يُساق عنوة يجلس على الأرض.. يبعد حبات الحصى المتناثرات حتى لا تتجاوز ثقوب ثوبه المتهتك وحتى لا تؤذي رهافة جلده.. تحت (شمس الله).. وانتهاء بـ(سير سير…) أو (نترجاكم بالترشح مرة أخرى ومرات أُخر فأنتم العدل والعادلون أنتم).. وننشق الأصالة في ديدن السوداني الغشيم الذي يقف خلف إمامه عقب صلاة الفجر، ويدعو ربه أن (أضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين).. وتنفرج أسارير وجهه موقناً باستجابة الدعاء (ولو بعد حين) كيف لا والواعد هو العظيم القادر الذي وعد (ادعوني استجب لكم)..
ما عرف السودانيون التطبيل (كسير التلج) إلا حين كان (كسير التلج) ذا جدوى ونتيجة إيجابية عاجلة، وما جاءت هذه الخصلة الذميمة وعرفها الناس في بلادنا إلا حينما ابتلينا بأناس لم يراعوا (الله) فينا، واستباحوا أموالنا وحقوقنا وقسموها فيما بينهم، وأفشوا في مجتمعنا خصالاً ما عهدناها قط.. جاءونا بما تسمى المحسوبية الفساد وأيلاء أولي القربى وأبناء المطبلين و(كساري التلج).. فأضحت الوظائف والتوظيف ملكاً لهم، وفي أيديهم، يتحكمون فيها كيف ومتى ما شاءوا، وصارت البلاد تُدار بغير الكفاءات بل بالولاءات، لذا أضحى الفشل ملازماً كل الوزارات والمصالح الحكومية، وعباد الله في السودان اهراقت كرامتهم ومُرمطت أصالتهم حينما انتووا قضاء مصالح وحوائج لهم.. وعانوا أشدا معاناة وهم يجرجرون (أياماً وأسابيع) في أمر لا يتعدى دقائق بل ثواني.. والمؤسف أن وظائف تتحكم في مصائر البلاد والعباد هنا أركنت إلى من هم دونها بآلاف السنين الضوئية.. السبب أن الذي يفتقد الكفاءة يسعى بكل ما أؤتي من جزالة قول وطراوة لسان وجميل نظم و(كذبة) ابتسامة للبحث عن ترقية أو بقاء في وظيفة هو ليس أهلاً لها، فيلجأ إلى (دناءة أصله) ليمارس (كسير التلج)، ولو على حساب غيره، أو ضرر غيره، والبعض لا نلومهم (المعايش جبارة).. ومن هنا جاءت الإخفاقات والفشل.. في بلادنا.. والكل يعلم كيف كانت تسير الأمور في زمان مضى، وكيف كانت التقارير تنصف الكفاءات والمصالح الحكومية والمؤسسات والوزارات بالإبقاء على المؤهلين، بل كانت لا تجامل البتة.. وكم من عاطل خريج جامعة مرموقة ودرجة علمية مؤهلة فشل في إيجاد وظيفة، حتى دون تأهيله.. وكم من صاحب كفاءة فشل في إيجاد منصب في مؤسسة هي أحوج ما تكون إليه، وأبقت على صغير سن وقليل معرفة وفاشل دراسة و(جهلول زمانه).. بل مؤسسات صعدت هؤلاء فوق من هم أعلمهم.. وشردت أسراً بتسريح عائلها صاحب الكفاءة وجاءت بآخر.. دونه كفاءة، وغيرة وحرصاً على تطور المؤسسة، بل حريصاً على مصلحته الشخصية، وكم كُثر أمثال هؤلاء!! وكم من صاحب مؤسسة عمل بمبدأ (وافق أو نافق وإن لم تفعل ففارق)..
ليهم يتعظون من مصائب غيرهم لهذه الأسباب، وليتهم يعلمون أن المطبلاتي و(كسار التلج) يمارس خلفهم عكس ما يفعله أمامهم، وليهم يدركون أن من مدحك أمامك – فلا شك – ذمك، وإن سمعت له، فسيمدحك كثيراً ويذم غيرك، ويمجد نفسه ويدّعي أنه الأصلح لكل شأن، بل – لا يرى في غيره إلا مخطئاً، وكأنه ليس من البشر الذين يخطئون بطبعهم..
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!