وداعاً الرجل الفنّان المُبْدِع هلالي

0

مصطفى أبوالعزائم

رحل بالأمس الشاعر المُبْدِع والدرامي الإنسان صديقنا الأستاذ عزالدين هلالي، رحمه الله رحمة واسعة، بعد رحلة قصيرة جداً في دروب الحياة الشائكة المتعرجة، وقد كان أول عهدي بمعرفته على المستوى الخاص في العام 1982م بمدينة القاهرة في مصر، وأنا في بعثة تدريبية بمؤسسة روز اليوسف وتحديداً في مجلة صباح الخير ذائعة الصيت، وكان ذلك اللقاء في إحدى دور السينما ومعي آنذاك زوجتي التي كانت معي في بداية الشهر الأول من حياتنا الزوجية، جاءني الرجل هاشاً باشاً، بضحكته الصافية التي لم تغادر فمه أبداً منذ أن رأيته، ثم توالت اللقاءات وقويت العلاقة وتوطدت الصّلة خاصة وأن بيننا أصدقاء مشتركون كُثُر، كان أقربهم لكلينا صديقنا وحبيبنا الراحل زين العابدين أحمد محمد الصحفي والشاعر العامر بالإنسانية حتى آخر لحظة في حياته، رحمه الله رحمة واسعة وأحسن إليه.
كان الخبر محزناً، بل فاجعاً لكن هذه إرادة الله الذي لا راد لقضائه ولا لإرادته، لكن عام الفقد هذا لا نعلم كم سيأخذ منا من طيبين وأخيار.. وأفاضل (!)
رأيت أن أنشر اليوم مقالاً مترعاً بالجمال والأبعاد الإنسانية للراحل المقيم الرجل الفنان المبدع الدكتور عز الدين هلالي ،جاء تحت زاويته الصحفية التي حملت إسم إحدى أغنياته ذائعة الصيت ” قول النصيحة ” أنشر المقال دون تعليق سوى الدعاء بالرحمة والمغفرة لأخينا الفاضل وصديقنا الراحل عزالدين هلالي.
*قول النصيحة. .*

*د. عزالدين هلالي*

*كتروا الشوت في القون. .*
*أكيد واحدة ح تخش*

هذه حكمة قالها الرياضي الراحل هاشم ضيف الله زمان اشتغاله بالرياضة. فقد كان دائم القول بأن (كترة الشوت في القون، واحدة بتخش ).

استحضرت هذه الحكمة وأنا أقرأ الحكاية التي نشرها الفنان المسرحي المجدد الرشيد أحمد عيسى في قروب المؤتمر، والمعني مؤتمر الدراميين، وواضح أن للحكاية أهدافآ درامية لا تخفى على الفطن.

*جاء في الحكاية أن :*
سيدة عجوز تركب كل يوم القطار إلى آخر محطة ثم تعود لبيتها. وأثناء ركوبها القطار تجلس أمام نافذة القطار، تفتحها بين لحظة وأخرى، وتخرج كيسآ من حقيبتها وترمي أشياء من الكيس إلى الخارج.
يتكرر هذا المشهد يوميآ.. وفي أحد الأيام سألها رجل قربها قائلا لها:
*ماذا تصنعين أيتها العجوز؟*
فردت عليه:
*أنا أقذف بذور الورد*
استهزأ بها الرجل قائلاً :
*بذور ماذا ؟؟؟*
قالت السيدة:
*بذور الورد.. لأني أنظر من النافذة وأرى أن الطريق موحشة، ولدي طموح أن أسافر وأمتع نظري بألوان الزهور. .*
ضحك الرجل من كلامها ورد عليها ساخرا:
*لا أظن ذلك فكيف للزهور أن تنمو على حافة الطريق. .*
ردت:
*صحيح أعلم أن الكثير منها سيضيع هدرآ ولكن بعضها سيقع على التراب، وسيأتي اليوم الذي ستزهر فيه. .*
قال الرجل:
*لكنها تحتاج للماء*
فقالت السيدة:
*أنا أعمل ما علي وهنالك أيام المطر. .*

نزل الرجل من القطار وهو يفكر أن العجوز أصابها الخرف !!

ومرت الأيام تتلاحق وركب الرجل القطار يومآ، وبينما هو جالس والقطار يسير إذا به يلمح زهورآ قد نمت على حافة الطريق وتغير المنظر وتعددت الألوان، فقام من مكانه ليرى السيدة العجوز فلم يجدها. .
سأل بائع التذاكر عنها فقال له البائع أن تلك العجوز توفيت منذ شهور.. تحسر الرجل على موت العجوز وقال في نفسه :
*( الزهور نمت، لكن ما نفعها، فالسيدة العجوز قد ماتت ولم ترها ). .*
وفي نفس اللحظة، ومن المقعد الذي أمامه سمع الرجل فتاة صغيرة تخاطب أباها وينتابها سيل عارم من السعادة قائلة :
*( أنظر يا أبي إلى هذا المنظر الجميل. أنظر إلى هذه الزهور. إنها جميلة جدآ ). .*
فأدرك الرجل معنى العمل الذي قامت به السيدة العجوز. فهي حتى وإن لم تمتع نفسها بمنظر الزهور، إلا أنها منحت هدية جميلة للقادمين.

*نصيحة :*
ألق بذور وردك، لا يهم إذا لم تتمتع أنت برؤية الزهور.. سيتمتع بها غيرك بﻻ شك، وتكون أنت سببآ في سعادة غيرك، وتكون ناشراً للحب والسلام..
لاتلتفت للمحبطين، ولا الحاسدين ولا الحاقدين ولا تنتظر الشكر والعرفان من أحد. .
قدم ما استطعت من العمل الجميل.

*صحيفة الأخبار السودانية النسخة الإلكترونية عدد الإثنين الثامن من يونيو 2020 م*

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!