ورحل عميد الغنادير

2

 

*د. عصام بطران*

📌 الطالب الحربي مزمل سلمان غندور أول الدفعة الأولى بالكلية الحربية السودانية في العام ١٩٤٨م .. كان وزير الداخلية وسفير السودان في كل من لندن وبرلين. يحكي بعض المعاصرين أنه الرئيس المفترض قيادته انقلاب مايو، ولكن اللواء/ خالد حسن عباس قال لمجموعة من الضباط الأحرار “أحسن ليكم نميري من غندور راسو ناشف وما بسمع كلامكم.. قصده كلام اليساريين”.. أديب وكاتب له عدد من المؤلفات أهمها الأحكام العسكرية الذي ظل المرجع الأول في فقه وقانون التراتيبية بالقوات المسلحة خلال الستين سنة الماضية.. ولج السياسة كنائب برلماني منتخب من إحدى دوائر أمدرمان أثناء الديمقراطية الثالثة عن الحزب الاتحادى الديمقراطي له من المواقف الوطنية المشرفة في مطار الكويت حينما رفض تكريم جنود السودان على مشاركتهم في حماية الكويت من الغزو العراقي فى الستينيات. وقال قولته الشهيرة: “نحن لا نبيع مواقفنا”.. عمل أيضا في مجال الدعوة الإسلامية الأمين العام لهيئة الدعوة الإسلامية. وكان عمل الهيئة على عهده موجه للعمل الدعوي والإنساني لجنوب السودان في بداية التسعينيات ..
📌 تدرج غندور في رتب الجيش حتى وصل رتبة اللواء.. كرمه الرئيس الأسبق البشير في يوليو ٢٠١٥م ومنحه رتبة الفريق.. التقيته في ذكرى ميلاده التسعين الذي وافق العام ٢٠١٨م بحكم رابطة قربى ودم وثيقة تجمعني به، وذكر لي أن البشير سلمه عربة آخر موديل وفق المخصصات القانونية لمعاش رتبة الفريق.. وقال وهو يتميز بذاكرة “سعة ١٠٠٠ قيقا” رغم تقدم العمر “بعد ده مشيت شاكلتو” مسديا له النصائح حتى ضحك البشير وارخى ظهره على المقعد وقال: “ياك مزمل البنعرفك”، صادحا بالحق مهما بذلت لك العطايا ..
📌 يحمل مزمل سلمان غندور ذاكرة المؤرخ الشفاهي حدثني حديث العارف، متقد الذهن، حاضر البديهة عن تاريخ أسرة الغنادير في أمدرمان والخرطوم بحري.. سرد لي توثيقاً مهماً أن حلة حمد حي ضارب الجذور في التاريخ منذ مقدم العارف بالله الشيخ حمد ود أم مريوم، ولكن ارتبط تاريخها الحديث بالعام ١٨٢٢م وأسسها ستة من الصاغات المهندسين “رائد مهندس” أرسلهم الجيش المصري لإنشاء مرسى السفن المعروف بـ “الوابورات” معظمهم من ريف مصر وهؤلاء الصاغات الستة سكنوا في بيوت كانت من الحجر وهي البيوت الواقعة جوار مدرسة حلة حمد الابتدائية وقد ذكر الجد “غندور” أسماء ثلاثة من الصاغات الستة هم عمداء لأسر كبيرة بحلة حمد منهم الصاغ زكي والصاغ راجي والصاغ صبحي وخانته الذاكرة في ذكر الثلاثة المتبقين.. ثم انتهت مهمتهم ببناء النقل النهري ولم يرجعوا إلى مصر بعد تقاعدهم بالمعاش وسكنوا في منطقة حلة حمد الحالية .. وقال: “كان بناتهم سمحات وقيافة وبيض” وأسر محافظة تصاهروا مع تجار “العبابدة” القادمين من صحراء سيناء وصعيد مصر وتجارتهم الجمال.. منهم أخوان أشقاء هما “عبدالله اب منصور غندور” و “يوسف اب منصور غندور”.. وقال كانت بشرتهم سمراء قرروا أن يتزوجوا من بنات الريف “البيض” بنات الصاغات الستة .. وذكر أن “عبدالله اب منصور غندور” تزوج من بنات الصاغ زكي في حلة حمد وأنجب منها غنادير بحري أما شقيقه “يوسف اب منصور غندور” تزوج من بنات ال القوصي وأنجب منها غنادير أمدرمان .
📌 أسرة الغنادير من الأسر العريقة في السودان طولا وعرضا منهم أعلام وأقلام ورجال دولة.. أنور غندور أول وكيل لوزارة الداخلية في السودنة.. وعبدالله غندور من مؤسسي مشروع الجزيرة.. وعبدالسميع غندور كبير حكمداري المديرية بالخرطوم وشمال كردفان الكبرى.. ومنهم الدكتور أحمد علي زكي أول وزير للصحة عقب الاستقلال.. وأحمد عبدالعزيز محمود غندور أمين سر تجار “كاكا” “رئيس الغرفة التجارية” بجنوب السودان صاحب الوثيقة التاريخية الشهيرة المعروضة في دار الوثائق البريطانية التي اشتكى فيها البريطاني رئيس مجلس “كاكا” التجارية للحاكم العام بسبب معاملته السيئة واضطهاده لتجار المدينة وتزوج من الدويم بسبب توقفه بتجارته من وإلى الجنوب حيث كانت الدويم الميناء الأول بالنيل الأبيض قبل كوستي وهو والد طبيب الأسنان البروفيسور إبراهيم أحمد غندور مدير جامعة الخرطوم ووزير الخارجية الأسبق والسياسي الشهير.. ومن الغنادير في مجال التعليم الأستاذ فتحي غندور ومحمد عبدالقادر غندور رئيس الاتحاد المهني للمعلمين السابق.. وفي مجال الشرطة الفريق عزالدين نعيم غندور نائب المدير العام لقوات الشرطة الأسبق وفي مجال القضاء شقيقه قاضي المحكمة العليا بالإمارات العربية المتحدة صلاح نعيم غندور .. أما الفريق مزمل سلمان غندور من غنادير أمدرمان فارق الفانية يوم أمس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين.. ولد في العام ١٩٢٨م وتوفي عميدا لأسرة الغنادير بلا منازع..
📌 مزمل سلمان غندور انتزعت منه قبل ستة أشهر معلومات مهمة عن نشأة مدينة بحري القديمة. وذكر أن حلة حمد بالخرطوم بحري عمادها هم الصاغات الستة وأصهارهم الغنادير “عشان كانوا مهندسين وضباط في الجيش المصري” ولهم مكانة اجتماعية بين سكان حلة حمد التاريخية سكنوا في المنطقة المجاورة للنيل الأزرق والجناين.. وفي الجهة المجاورة لمقبرة الشيخ حمد ود أم مريوم سكن المريوماب وعمدتهم المرحوم مقبول الصديق كما يوجد في الطرف الجنوبي لحلة حمد حي الشلالية الذي يفصل بين حلة خوجلي وحلة حمد ومنهم الإذاعي الكبير محمد خوجلي صالحين.. وهم ومازال الحديث ينساب من سعادة الفريق غندور جاءوا من حلفا منطقة الشلال، وكانوا هم الفنيين في إدارة وقيادة وخدمات السفن، كما أكد أن منطقة ديوم بحري سكنها العمال الذين يعملون في الوابورات في مهن الحدادة والتزييت والتشغيل، أما الدناقلة سكنها من يعملون في الضيافة وصنع الأطعمة في السفن.. ثم توالت أحياء بحري الأملاك والختمية والمزاد والشعبية وكوبر .. رحم الله العلم الوطني الفريق مزمل سلمان غندور عميد أسرة الغنادير رحمة واسعة وجعل مثواه الجنة فقد كان من أبناء الوطن البارين.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!