ورقة الصادق المهدي: الإطاحة بثورة ديسمبر!!

3

يبدو أن درجة الوعي التي تتحلى بها جماهير ثورة ديسمبرالمجيدة، قد غابت على الذين صاغوا الورقة الموجهة من حزب الامةً إلى قوى الحرية والتغيير.

ما يدعو لهذا الاعتقاد هو ببساطة، أن هذة الورقة نسيت أن الميثاق الذي تعمل به قحت هو الحد الأدنى لمستحقات وتطلعات القوى التي ثارت وأطاحت بالنظام البائد.

وللتذكير (لمن ضعفت ذاكرته)، فإن النظام البائد، قد مارس إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في دارفور ومناطق أخرى من البلاد. هذا النظام شرد وجوع الملايين من أبناء وبنات الشعب السوداني. هذا النظام مارس أبشع أنواع التنكيل والقمع ضد جماهير الشعب خلال ثلاثين عاماً. هذا النظام نهب أموال وممتلكات الشعب السوداني بطريقة غير مسبوقة في تاريخ البشرية جمعاء. لذلك ثارت عليه وأطاحت به الجماهير التي ضحت بدماء شهدائها الأبرار. وجميع الثوار على يقين بأن كل من شارك في مسيرة النظام البائد غير مؤهل لإعلان التوبة أو (النقد الذاتي) المذكور في الورقة المقدمة لقوى الحرية والتغيير، بغرض “الإصلاح “!!

هذه حقائق يجب وضعها نصب الأعين لأن المشاركة في نظام كالنظام البائد هو عداء سافر وجريمة لا تغتفر في حق الشعب السوداني.

نذكر أيضاً بأن القوى التي صنعت الثورة والتي اعتادت على الخروج بالملايين للتعبير عن رغباتها، لم تطالب بقيادة جديدة لقوى الحرية والتغيير.

ثم ماذا تعني الورقة بتعبير (مفككة وخالية من التوازن)؟ وبديهي أن قوى تضم أكثر من ١٥٠ كياناً سياسياً، من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني لا يمكن ولا يتوقع أن تتوحد آراؤها ومواقفها في كل الحالات. لكن في المسائل المبدئية والمنبثقة من شعارات ومطالب الثورة، يبدو أن إداء قحت رغم حاجته للتجويد والمراجعة المستمرة، لا يمكن وصفه بالمفكك وغير المتوازن؛ إلا إذا كان المقصود هو المفكك (بكسر الكاف الأول) الذي يتم هذه الأيام!!

وعن التوازن لا داعي للحديث عن ثقل هذا الكيان أو ذاك، لأن الأوزان السياسية تحدد عبر صناديق الانتخابات القادمة وليس بما كان قبل ٣٥ عاماً؛ وإلا لنعطي حزب انقلاب ١٩٨٩ ثلث مقاعد القيادة في قوى الحرية والتغيير!!

وفي ما يتعلق بمقترح برنامج بديل لأن البرنامج الحالي قد تحول إلى “مناكفة حول الملف الاقتصادي”!؟ لا ندري، إذا كان الاختلاف حول السياسة الاقتصادية يمكن وصفه بالمناكفة؟ صحيح أن قوى الحرية والتغيير قد اتفقت على حسم الجدل حول رفع الدعم وسعر الصرف خلال مؤتمر اقتصادي. هنا يتبادر إلىالذهن السؤال الآتي: هل يعقل أن يتم تغيير البرنامج الذي اعتمدته كل مكونات قوى الحرية والتغيير بما فيها حزب الأمة، فقط لعدم اعتماد مقترح وزير المالية (القيادي في حزب الأمة)؟ وهذا بطبيعة الحال ليس منقصة في حقه، ولم ترفض تعيينه قوى الحرية والتغيير، باعتبار أنه اقتصادي مؤهل وذو خبرة كبيرة وذو خلق قويم يعرفه الكثيرون. بلا شك إنه يرحب بالنقاش والصراع الفكري، ودأب عليه خلال حياته العملية، كباحث في مجال الاقتصاد، وليس صاحب مسلمات دوغمائية لا تقبل الرأي الآخر. وإذا كان هذا الوضع غير مقبول لدى زعامة حزب الأمة فيجب نصحها بالصبر على الديمقراطية التي تسعى قوى الحرية والتغيير لإرساء قواعدها.

وفي ما يتعلق بنشاط لجان المقاومة ترى الورقة أن “يتغير سلوكها من المقاومة إلى البناء”!! ومن الذي قال إن ما يتطلب المقاومة قد اكتمل إنجازه؟ حتماً المقاومة ليست مقصورة على إسقاط رأس النظام. ما زالت هناك مهام تتطلب المقاومة. ما زال هناك التمكين العصي في الأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية والجهاز القضائي وفي الأجهزة الولائية. ذلك كله يتطلب استمرار لجان المقاومة وحسمها الثوري الذي أرعب وما زال يرعب كل أعداء الثورة.

ومن ناحية أخرى، بجب أن يعلم الجميع أنه ليس هناك من يستطيع إصدار الأوامر للجان المقاومة من أجل تغيير نشاطاتها والدور الذي تقوم به في المجالات المتعددة؛ هذه لجان باسلة وواعية وليست قطيعاً تحركه إشارة من زعيم حزب أو “طائفة”.

وفي شأن المقترح بقيام “تحالف جديد” ومؤتمر “للقوى الجديدة”، هناك ملاحظة مهمة، حيث تستخدم الورقة مصطلحات: “جديد وجديدة” بدلاً عن “قوى الحرية والتغيير”!!! يتجلى بوضوح أن ذلك ليس فقط مجرد تغيير كلمات وإنما، نسف كامل الأركان للتحالف الذي وقع على الوثيقة الدستورية. هذا يعني بوضوح انتفاء شرعية هذه الوثيقة. وبالتالي انتهاء شرعية الحكومة الانتقالية والمجلس السيادي، لأن الكيان الذي أنشأها ووقع على وثائقها سيكون قد تم حله! وتكون بذلك قوى الحرية والتغيير قد بلعت الطعم القاتل! ومن المؤكد أن ذلك لن يفوت على أي من مكوناتها التي أثبتت نضجاً ووعياً مشهوداً خلال مسيرة الثورة.

من جانب آخر، من البديهي أن المبررات التي ساقتها الورقة، لضرورة حسم موضوع علاقة الدين والدولة، مسألة مكانها الطبيعي المؤتمر الدستوري المتفق عليه في نهاية الفترة الانتقالية.

أما في ما يخص اعتماد الاقتصاد الحر كطريق للتنمية في السودان، فهذ يمكن أن يطرح في البرنامج الاقتصادي لحزب الأمة أو أي حزب آخر، وليس محله أروقة الحوار بين مكونات قوى الحرية والتغيير، ولا داعي للعجلة ولا ضرورة للترويج للتوجهات أو البرامج السياسية في الوقت الحاضر. فقط نذكر هنا ومن الواقع المعاش بأن كل مكونات قحت (يمينها ويسارها) تضع مكانة مهمة للدور الإيجابي والمهم للقطاع الخاص الوطني في مجال التنمية الاقتصادية في السودان. لا داعي للإعلان للعالم بأن حزب الأمة هوالحزب الذي يدعو لنهج الاقتصاد الحر وبقية الكيانات السياسية ترى غير ذلك! لا داعي لإرسال رسالة كهذه للمجتمع الدولي، لأن هذا الترويج لا يفوت على أحد ولن يفيد أصحابه.

اما في ما يتعلق بالشراكة مع القوات المسلحة فهذا أمر قد حسمته الوثيقة الدستورية ولا احتجاج عليه حالياً لا من قبل قحت ولا من جهة المكون العسكري في المجلس السيادي. وتفكيك التمكين الذي أشعل غضب ورعب أزلام النظام البائد وجعلهم (أحمد عبد الرحمن وعثمان خالد) يستجيرون يوم ٢٣ أبريل الجاري برئيس حزب الأمة هذا التفكيك يجري تحت رئاسة المكون العسكري في مجلس السيادة.

أخيراً، وبخصوص مقترح الورقة لما سمي “وثيقة العهد الجديد”، وليس “التغيير”، يبدو أن فتح باب لمشاركة المؤتمر الوطني أو بعض منسوبيه في الحياة السياسية، توجه مستفز لقوى الثورة وممعن في الاستخفاف بدماء الشهداء واستحقاق
محاكمة الذين أجرموا في حق البلاد والعباد. والوقت الآن غير مناسب للحديث عن النقد الذاتي المقترح لبعض منسوبي النظام البائد. الوقت وقت تفكيك التمكين والتحري في جرائم الثلاثين سنة الماضية.

والوقت وقت إنجاز استحقاقات السلام والخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة الموروثة، والوقت وقت التصدي لكارثة وباء كرونة الفتاك.

خلاصة القول، إن ما جاء في الورقة المقدمة من زعيم حزب الأمة يهدف بوضوح لا يخفي على أحد، إلى هدم كيان قوى الحرية والتغيير برمته والتراجع عن استحقاقات وشعارات ثورة ديسمبر المجيدة؛ ذلك يعني بما لا يدع مجال للشك، تصفية ثورة ديسمبر المجيدة والرجوع مليارات الخطوات إلى الوراء وإدخال البلاد في دوامة من التمزق والبلاء الذي لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى.

لهذا، يجب على الشرفاء والوطنيين المخلصين في حزب الأمة تدارك هذه المخاطر الواردة في الورقة التي بعث بها رئيس حزبهم إلى قوى الحرية والتغيير، التي ستنعكس سلباً بل وبالاً على مستقبل الحزب السياسي.

اللهم ألهم مكونات قوى الحرية والتغيير الحكمة والفطنة والقدرة على التمسك بميثاقها، والالتزام
بوحدتها من أجل استكمال استحقاقات ثورة ديسمبر المجيدة؛ إنك سميع مجيب.

رمضان كريم
ألزموا بيوتكم
وحدكم وسلمكم الله

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!