وما “لبلادنا” عيبٌ سوانا

2

جمال علي حسن
قبل أكثر من أسبوعين من ظهور أول حالة إصابة بفيروس كرونا في السودان، أي حين لم يكن السودان موجودًا في قائمة الرصد والتحديث اليومية في العالم لهذا الوباء اللعين، حدثت عملية تجفيف استباقي تام للصيدليات وأسواق الأدوات الطبية من الكمامات الطبية، بواسطة مجموعة محددة ومعروفة وصغيرة جداً من الأشخاص الذين يتاجرون في المواد الطبية في السودان وقد رصد بعض العاملين في القطاع الصحي حينها تلك الملاحظة وأرسلوا تسجيلات صوتية لم يلق لها أحد بالاً.
ثم ظهرت حالات الإصابة بعد ذلك وبدأ الناس يبحثون عن تلك الكمامات التي عادت إلى السوق بأضعاف مضاعفة لقيمتها وسعرها الحقيقي.
تجار هذه المواد عددهم قليل يجتمعون في إحدى العمارات التجارية المعروفة في الخرطوم ويعرفهم رجال الأمن ورجال المباحث لو أرادوا ذلك، ولو أرادوا معاقبتهم وحماية المواطن المستهلك اضطراراً لتلك المعدات الوقائية، ولكن هذا لا يحدث في بلادنا، لأن قدرنا أن نظل هكذا بلا وجيع ولاحسيب ولا حام ولا رقيب لا قبل الثورة ولا بعدها، فالحال هو الحال.
كنا من فرط حسن ظننا برجال الأعمال الوطنيين نطالبهم في الأيام الماضية بأن يقودوا مبادرات لتخفيف العناء القائم والمتوقع على الشعب السوداني في هذه الظروف فوجدنا معظم هؤلاء يفكرون بطريقة أخرى هي كيف بإمكانهم الاستفادة من هذا الظرف لمضاعفة ثرواتهم فصعدت أسعار كل السلع وخاصة السلع الاستهلاكية لتناطح السحاب وتبدو معظمها مستحيلة المنال للبسطاء والفقراء وأصحاب الأعمال الصغيرة الذين تعطلوا والتزموا البقاء في بيوتهم في هذه الظروف.
والحكومة تفهم أن دورها فقط ينتهي بإصدار قرارات المنع وتوزيع أدوات الملاحقة والرقابة لمن يكسر هذه القرارات.
الحكومة فقيرة في حكمتها الإدارية تماماً منفعلة متوترة فاشلة في فرض الرقابة على السوق وفاشلة أيضاً في استنفار المبادرات الوطنية.
والآن كل الذي يتم من عمل مجتمعي تقوده مبادرات لأجسام صغيرة ضعيفة مالياً لكنها ممتلئة بالإحساس الوطني الجميل.. شباب ولجان أحياء ومجموعات تواصل اجتماعي تحاول فعل شيء من العدم بينما بالمقابل تزيد مصانع الغذاء أسعار منتجاتها من الدقيق والحليب واللحوم وكل شيء، بعض تلك المصانع لا يريد أصحابها، وهم أيضاً بعدد أصابع اليد الواحدة لا يريدون تضييع فرصة امتصاص ما تبقى من دماء في عروق وشرايين المواطنين الذين يحاصرهم الفقر والمرض والبعض الآخر يبرر فعلته بأنه غير مستعد للخسارة.. وكأنه من مخلوقات الله التي يجب أن تظل رابحة باستمرار من المهد إلى اللحد في بلد مثل السودان.. وترانا نعيب (بلادنا) والعيب فينا وما (لبلادنا) عيبٌ سوانا ..
أو كما قال الإمام الشافعي :
وليس الذئب يأكل لحم ذئبٍ ويأكل بعضنا بعضًا عيانا
شوكة كرامة
لا تنازل عن حلايب وشلاتين

التعليقات مغلقة.