يوم الهزيمة والانتصار

5


بابكر هجو

3 يونيو من العام 2019 تاريخ محفور في ذاكرة كل الشعب السوداني، وبالنسبة لي كان وما يزال يوم الهزيمة والانتصار. كنت قادماً من مكان عملي بالمملكة العربية السعودية على طيران الخليج في إجازة قصيرة مدتها أسبوعان، بهدف زيارة الأهل والأصدقاء والمعايدة عليهم، وزيارة محراب الحرية والسلام والعدالة، ومشاهدة لوحة الحرية التي بهرت العالم بسلمية الثورة السودانية وعظمتها ووعيها، وكل من على متن الطائرة كان يُمنِّي نفسه بذلك، وكنا نتغنّى بشعارات الثورة، وبصوت مرتفع. وأذكر أني صادفت صديقي د.حمزة بشير على نفس الرحلة، وهتفنا بصوت عالٍ: (حرية سلام وعدالة مدنية خيار الشعب). تجاوب معه كل ركاب الطائرة بفرح وتصفيق، ولكن عند خروجنا من بوابات مطار الخرطوم، فوجئنا بخرطوم ثانية غير تلك التي كنا نتابعها طوال أيام الثورة في كل شاشات العالم، خرطوم كل شوارعها مغلقة بالسيارات العسكرية، ونقاط ارتكاز في كل مكان، والحركة تكاد تكون مشلولة. وحتى تلك اللحظة لم أكن أعلم أن محراب الفضيلة والحرية والعدالة قد تم فضه من قوى الظلام، وكنت ألح في السؤال لابن عمي، وهو من كان في انتظاري في المطار: ماذا يحدث؟ لم أحصل منه على إجابة، لأنه فيما بعد اتضح أنه لم يكن له علم بما حدث، لأنه دخل المطار من الساعة الثانية صباحاً. المهم بعد ذلك علمت بما حدث، وشعرتُ بحالة هزيمة وإحباط لم أحسها في حياتي، وكنت أُشاهد الهزيمة في الوجوه الهائمة في سماء الخرطوم. وفي شوارعها وأزقتها، وكل معالمها، وخُيِّلَ إلي أن الخرطوم مدينة أشباح، وأن الشمس لن تشرق في سماء السودان، وأننا شعب كتب عليه أن يعيش في الظلام. وبينما أنا في هذه الحالة داخل عربة في طريقنا من الخرطوم إلى قريتي ديم المشايخة، في جنوب الجزيرة، وخلال وقت وجيز، بدأ تأثير الصدمة التي عاشها كل ثائر من هول ما حدث في فض محراب الحرية أمام أعين قوات الشعب المسلحة، وفي ليلة التاسع والعشرين من رمضان بدأ المشهد يتغير، ورأيت روح الثورة ونيرانها في عيون الثوار على امتداد الطريق، ورأيت المتاريس والجيل (الراكب راس)، وعشق هذا الشعب للحرية، وشعرت من تلك اللحظة بنشوة انتصار الثورة، وتيقنت تماماً أن هذا الشعب ضرب موعداً مع الحرية. وعند عودتي وأنا أتحاور مع أصدقائي من ثوار الخارج، والكل مشفق على الثورة ويسأل عن الحال، قلت لهم: رغم هول ما حدث في ما معناه أن هذه الثورة قامت لتنتصر، وأنا رأيت ذلك في عيون الثوار، ووقتها رأيت بعضهم مشككاً من هول ما حدث، لم يتيقّنوا، فصحّ ما قلت بعد يوم عبور الثورة 30 يونيو عند ما امتلأت الشوارع في كل مدن السودان بالثوار يهتفون بالحرية والسلام والعدالة وبالقصاص لشهداء الثورة ومدنية الحكم، وعلم كل متربص حينها أن هذا الشعب على استعداد لدفع مهر الحرية.

هذه كلمات في يوم فض محراب الحرية 3 يونيو 2019، يوم الهزيمة والانتصار ورسالة لكل قوى الظلام والردة أن هذه الثورة قامت لتنتصر، وأن هذا الشعب يعشق الحرية، وقد سئم حياة القهر، ولا يساوم على حريته مهما كان الثمن.

السياسي

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!