ﺃﻧﺜﻰ ﻭﻻ (ﺩﺳﺘﺔ ﺭﺟﺎﻝ) !

19

ضد التيار
هيثم كابو

* فاطمة خبّاره ما مرقت على المطره
ولا لاقت أيديها الغيث
معلِّقة روحا في حبل الصبر قادوس
ولا كفّت من الدعوات
على التاكوه باب الروح
ولا فاقت من الفاتوها
فى درب البحر بتكوس
فاطمة (حبيبة الأطفال)
ضاقت المُرّه ما ضاقت
فارّه بسيمها في الضلام فانوس
غرستها في الأرض تيراب
لا كمْلت ولا حاقت
ولا نَقّر عريقها السوس .
* و(حبيبة الأطفال) حقا يا عزيزي الشاعر المرهف أزهري محمد علي هي المناضلة الراحلة المقيمة فاطمة أحمد إبراهيم التي رفعت صوت الحق والإنسانية عالياً قبل أن ترفع أصبعها السبابة في مقطع الفيديو الذي تم تداوله في أيام رحيلها المر بكثافة من أحدى حلقاتها الثرة ببرنامج (أسماء في حياتنا) التوثيقي وهي تقول بألم (يقطع الحشا) :
“عندي حاجة واحدة بتمنى من رب العالمين قبال أموت أقدر أسويها – ليتمنى لها أستاذنا عمر الجزلي ببلاغته ولباقته المعهودة (طول العمر) دون أن يقاطعها في لحظة البوح النادرة، فما كان منها سوى أن كشفت عن أمنية حياتها المتمثلة في (جمع أطفال الشوارع)، ولكنها للأسف لم تستطع إكمال حديثها فالآهة غطت تقاسيم الوجه؛ وسكن الحزن الملامح؛ واحتل التقاطيع لتقف الغصة تطعن في حلقها كالسكين فنظرت للأرض ثم لملمت بقايا كلامها وأحلامها مواصلة حديثها ببالغ الأسى:
“والله العظيم لو أنا نائمة بالليل وأتذكرتهم أكره السرير الأنا نائمة فيهو وأكره الغتا المتغتية بيهو .. عشان كدا أنا بطلب من ربنا حاجة واحدة؛ أحمدو وأشكرو ولدي كبر واشتغل وبأسرتو وما محتاج ليِّ .. أنا بطلب من ربنا حاجة واحدة أنا ما أموت لو ما الأطفال ديل اتلمو”.
* ماتت فاطمة السمحة سيرة وأمنيات ومسيرة قبل حوالي ثلاث سنوات؛ ولم يتم جمع أطفال الشوارع حتى رفعت كفها معلنة الوداع، والمسؤولين عن الرعاية الاجتماعية حينذاك كانوا للأسف يفترشون الحرير، ويضعون على أجسادهم (كل غطاء غال) بينما يعجزون عن (تغطية) تقصيرهم، والأطفال الذين يسكنون الشوارع؛ ويجعلون من المجاري بيوتاً؛ لا أحد يبكي عليهم؛ أو يتمنى جمعهم؛ أو يشغل نفسه بمصيرهم ..!
* بمناسبة يوم عيد المرأة العالمي، يجب أن نخلع نعلينا أمام محرابها إجلالاً وإعزازاً؛ ونصطفيها للحديث عنها حباً وتقديراً؛ فالرائدة فاطمة أحمد إبراهيم نظلمها حقاً إن حصرنا سيرتها في العمل السياسي، وتجاوزنا كثير من الجوانب التي يصعب القفز فوقها عندما تشغلنا رحلتها الغنية ومواقفها الإنسانية في (ساس يسوس) عن قراءة تاريخ إمرأة يظل العمل النسوي والنضال الوطني واحداً منقوصاً لا يكتمل إلا بها .
* كسرت أطر النمطية مذ صرخة ميلادها الأولى، وتمردت على المألوف قبل أن يعرف الناس رفع ألوية النضال والتضحية بكل نفيس من أجل تحقيق المبادئ وإعلاء صوت المرأة، فكان من الطبيعي أن تكون أول سيدة تنتخب كعضو برلمان بالشرق الأوسط .
* إن كان العرب قديماً قصدوا باسم (فاطمة) الفتاة التي تكبر وتتزوج وتحمل طفلاً فترضعه ثم (تفطمه) كنوع من الفأل الحسن بإعتبار أن من تحمل هذا الاسم ستصبح راشدة وتتزوج وترزق بأولاد ويكبرون فتقوم بفطامهم، فإن (فاطمة) قد أرضعت جيلاً كاملاً معاني الوطنية والكفاح وربّته على الصدق والتفاني والديمقراطية، فكانت رمزاً لكل (كنداكة)، وأماً لكل رجل مؤمن بقيم الحق والخير والجمال والحرية.
* لم تفقد البلاد برحيلها أمراة عادية، ولكننا قبرنا (أيقونة بلد)، وعطر أمة، وملاذ شعب، ومتكأ أجيال لم تخرج من رحم الغيب بعد.
* كانت فاطمة مرآة جيل استثنائي على مصقولها تنعكس صور نضال واضحة كشمس استوائية، قدمت عمرها كاملاً للوطن، ونذرت حياتها للدفاع عن المبادئ التي آمنت بها، فكانت (والدة) صادقة في نضالها كالأمومة؛ مع أنها عاشت في زمن تتبخر فيه كثير من الشعارات مع الريح عندما تكون القناعات مغشوشة، والمصالح شخصية، والإنتماءات كاذبة كدموع التماسيح .
نفس أخير
* وخلف محجوب شريف نردد:
إﻧﺴﺎﻧﺔ أﺑﺴﻂ ﻣﺎ ﻳﻘﺎﻝ
ﻟﻮ ﺻﺎﺡ
أﻋﺰ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺴﺎﻭﻳﻦ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ
ﺃﻧﺜﻰ ﻭﻻ ﺩﺳﺘﺔ ﺭﺟﺎﻝ
ﺗﻤﺸﻲ ﻭﻣﺎ ﺑﺘﻄﺄﻃﻲ
ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺑﻴﺮ ﻭﺷﺎﻃﻲ
ﺗﻄﻠﻊ ﻋﺎﻟﻲ ﻭﺍﻃﻲ
ﻧﻬﺎﺭﻫﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﺴﻮﺍﻗﻲ
ﻭﻟﻴﻠﻬﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﻄﻮﺍﻗﻲ
ﻭﻋﻤﺮﻫﺎ ﻟﻠﺠﻬﺎﻝ

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!