الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الباحث الفولكلوري الطيب محمد الطيب

0 6

ميسون عبدالحميد

يقول بروف محمد المهدي بشرى إن الطيب محمد الطيب جاء إلى الخرطوم من ضواحي عطبرة وهو لا يحمل سوى مؤهل بسيط وذاكرة متقدة وطموحات لا تحد. وكان من حظ السودان أن ذلك الشاب عرف أين يضع أقدامه في التراث الشعبي. كان يحمل شخصية كاريزمية وذكاء ثاقبا لا يخلو من دهاء، وكل هذا جعل منه أهم جامعي التراث في السودان على الإطلاق.
يذكر الطيب محمد في تأليفه لكتاب الأنداية يقول عندما ذهبت لمقابلة الراوي عرفت أنه ذهب للأنداية، وكان تنتابني مشاعر متناقضة، ولكن سرعان ما حسمت هذا التناقض، ويقول هذه الأصداء البعيدة التي يختزنها العقل الباطن كانت تدور في ذهني، وأنا اأجر قدمي نحو الأنداية، وكدت أرجع عدة مرات، وتغلبت على مشاعري بعد نزاع طويل، وأعانني فضولي الفطري والمكتب، وتوكلت على الحي الدائم، واقتحمت الأنداية كواحد من عشرات الرواد.
وعن أسلوبه في الجمع الحقلي يقول الطيب “كنت أدخل على المجموعة وأجلس معهم بعد الاستئذان وبين يدي جهاز التسجيل ثم أشرع في إسماعهم بعض الأغاني التي توافق مزاجهم تلك اللحظة، مثل الدوباي أو الدلوكة، فإن كانوا من أهل الغرب أسمعهم الجراري أو الحسيس أو ما يناسب ذوقهم، وهنا يتجلى الذكاء”.
وقد نجح الطيب في الجمع الميداني، الأمر الذي يبدو واضحا في المواد التي جمعها في الأنداية والشيخ فرح ود تكتوك حلال المشبوك وفي المسيد وملامح قرية والدوباوي والتراث الشعبي لقبيلة الحمران والتراث الشعبي لقبيلة البطاحين والتراث الشعبي لقبيلة المناصير.
أما في بيته فكتبت ابنته نهى الطيب، وهي تحكي جانباً من طفولتها مع أبيها:
“أتذكر جيداً ونحن صغيرات كان أبي يلعب معنا (حمار حمار ).. حيث يحملنا على ظهره وهو راكع ويدور بنا في الساحة، ونحن في قمة سعادتنا، ثم فجأة يقول لنا (الحمار فنجط) ثم يحاكي نهيق الحمار، و يهزنا من على ظهره ليرمينا على الأرض، ونحن غارقات في الضحك و السرور..

كان أبي في ذلك الوقت لا يلتقينا إلا قليلا، فقد كان كثير الأسفار ، دائم العمل، ومع قلة تلك الفرص المتاحة التي تجمعنا به إلا أنه عرف كيف يوثق لنا جميل المعاني و حلو الحكايات، وأجاد أن يرسّخ حب هذا (السودان) في نفوسنا”.

عاش ومات عاشقاً لهذه البلاد وإنسانها.. كل من عرف الطيب وتقرب منه كان يعرف تلك العظمة وذلك العشق الذي يصوغ به الحكي عن مآثر بلادنا الجميلة…

هو حمل على عاتقه مسؤولية البحث والتوثيق عن السودان، فاستوثق من هدفه ولم يتعب ولم يتوانى يوما عن الوصول لهدفه رغم المشاق والصعوبات في الحقب الماضية قبل ثورة الإتصالات وتطور التكنلوجيا، وقد نجح بتفوق باهر في استعراض شعبيتنا و قوميتنا بالتوغل في دراسات التراث والأدب الشعبي لكل مناطق السودان شبرا شبرا .. وكان من أبرز تلك النجاحات استمرار برنامج (صور شعبية) التلفزيوني لمدة سبعة وعشرين عاماً متواصلاً، لم يترك شاردة أو واردة في تراثنا الشعبي إلا وتناولها في البرنامج.
وهنا يذكر أن الطيب محمد الطيب أعطى للوطن حصيلة خمسين عاما قضاها باحثا وجامعا للتراث، وكان ينطلق في هذا من حب صادق لهذا الوطن.

اترك رد