خطبة الجمعة

16
 الفاتح جبرا
الحمد لله حمد الشاكرين، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
يقول الله تعالى ممتنًّا على البشر وعلى الناس ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ ، وقال جل في علاه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ فاللسان والبيان من أجلِّ نِعم الله على الإنسان فبهما يدرك خيرًا عظيمًا من مصالح دينه ودنياه، امتنَّ الله تعالى على الإنسان باللسان ليبين عما في ضميره وليذكر ربه ويتعبده، وليكون مميزًا بين سائر الخلق بالنطق والبيان.
وقد رتب الله تعالى على نطق اللسان أجرًا وثوابًا وعقوبة وزجرًا، وذاك أن اللسان يمكن أن يستخدمه صاحبه في الطاعة والذكر والإحسان كما يمكن أن بستخدمه في الزور والضلالة والبهتان فاتقوا الله عباد الله فإن للسان شأن عظيم؛ يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال –صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) . فاتقوا الله عباد الله.
أيها المؤمنون:
إن كثيرًا من الناس لا يبالي بقوله ولا يحتاط لكلامه بل يطلق للسانه الحبل على غاربه فتجده في كل واد يهيم وفي كل قول دون مراقبة لله ـ عز وجل ـ ، وقد قال الله تعالى ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ فالله تعالى يكتب كل قول وستجد ذلك في صحائفك ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ فاتقوا الله واتقوا أعراض الناس اتقوا حقوق الخلق بألسنتكم واعلموا أن ما يلفظ العبد من قول إلا لديه رقيب عتيد، فما من قول يصدر عنك إلا وثمة من يسجله ويكتبه ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ و ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ، ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ .
فاتقوا الله عباد الله فيما يصدر عنكم من القول، وقد جعل لكم النبي صلى الله عليه وسلم طريقًا تحكمون به قولكم وتسلمون به من شر ألسنتكم وتجنون خيرها وبرها وصلاحها وفضلها، ذاك في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» فاتقوا الله عباد الله واحذروا ألسنتكم.
اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، اللهم قنا شر ألسنتنا، استعملنا فيما تحب وترضى، ارزقنا القول السداد، ووفقنا إلى صالح العمل في السر والعلن يا ذا الجلال والإكرام، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، ربنا أعنا ولا تعن علينا، ربنا انصرنا على من بغى علينا، ربنا آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم اجعلنا لك ذاكرين شاكرين راغبين راهبين ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الجريدة

التعليقات مغلقة.