علمانية الدولة في بازار المساومات بين فرقاء السودان

9

يغيب التوافق الكامل بين مكونات السلطة الانتقالية في السودان حول الأخذ بمبدأ علمانية الدولة، بما انعكس سلبا على نتائج ورشة العمل التي نظمتها وساطة جنوب السودان قبل أيام، بين الوفد الحكومي، والحركة الشعبية – شمال، جناح عبدالعزيز الحلو، وسط خلافات حول مفهوم فصل الدين عن الدولة وكيفية تطبيقه.

وعلمت “العرب” من مصادر مطلعة، أن وساطة جنوب السودان تجهّز لعقد ورشة ثانية بين الجانبين، تعقد بعد أيام، بغرض تحقيق المزيد من التوافق حول الإطار العام للتفاوض، بعد أن توقفت المباحثات بشكل رسمي في سبتمبر الماضي، وتفرغت السلطة لإنجاز السلام مع الجبهة الثورية، التي تضم حركات مسلحة وتنظيمات سياسية.

وقالت المصادر، التي حضرت أعمال الورشة التي امتدت لخمسة أيام، إنها شهدت خلافا ضاريا حول طريقة تطبيق فصل الدين عن الدولة على أرض الواقع، وغابت عن الورشة شخصيات تابعة للحكومة المدنية، وممثلون عن المرأة، من المفترض أن يكونوا حاضرين، إلى جانب أن عضوي مجلس السيادة شمس الدين الكباشي ومحمد حسن التعايشي لم يتابعا عددا من الجلسات.

واستعانت الورشة بتجارب دول تشكل العلمانية جزءا من دستورها، ورأت الحركة الشعبية أن النموذج التركي قد يكون صالحا للتطبيق في السودان، وهو ما اعترض عليه الوفد الحكومي الذي اعتبر أنها تجربة متشددة من الصعب تطبيقها وفقا للثقافة والتركيبة السكانية، كما أنها سمحت بتغول رأس السلطة التنفيذية على مفهوم العلمانية وبالتالي فالأمر قابل للتكرار في السودان.

ويبدو أن الخلاف بين المكونين المدني والعسكري في السلطة بشأن فصل الدين عن الدولة، هو السبب المباشر في عرقلة المفاوضات التي كان من المفترض انطلاقها بين وفد الحكومة والحركة الشعبية – شمال بعد التوقيع النهائي على السلام في مسار الجبهة الثورية، وإمكانية تأثير ذلك على مسار التفاوض مع حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور، والذي لم ينخرط بعد في أي محادثات رسمية.

وانتقد عضو مجلس السيادة بالسودان، الفريق أول شمس الدين كباشي، الأحد، في تصريحات صحافية، توقيع رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، “إعلان مبادئ” مع حركة الحلو، معتبرا أن ذلك “خروج على مؤسسات الدولة”، لأن القرار جرى رفضه من قبل مؤسسات السلطة الانتقالية، وأي محاولات للالتفاف عليه غير مقبولة.

وكان حمدوك قد أعلن في وقت سابق موافقته المبدئية على فصل الدين عن الدولة على أن يُترك القرار النهائي إلى المؤسسات المعنية، بعد عقده سلسلة اجتماعات مع الحلو، الذي اتفق معه على عقد ورشات للتفاهم قبل استئناف المحادثات الرسمية.

ويشير عدم وجود رؤية واحدة بين المدنيين والعسكريين بشأن هذه النقطة حتى الآن إلى أن المباحثات المقبلة ستدور في دائرة مفرغة، وقد تأخذ صيغة مختلفة عن سابقتها التي جرت مع الجبهة الثورية، وفيها تطابقت الرؤى بين مكونات السلطة، مقابل الحركات المسلحة.

وتتقارب الحركة الشعبية شمال مع الحكومة الانتقالية، بينما تتباعد مع القادة العسكريين في الوفد الرسمي، ما يُضفي تعقيدات على جولات التفاوض المقبلة.

وأضاف توقيع الحركة الشعبية – شمال، على اتفاق سياسي مع الحزب الشيوعي، والذي طالما وجه اتهامات إلى العسكريين بالانقضاض على السلطة، أبعادا أيديولوجية جديدة، ما جعل مبدأ فصل الدين عن الدولة ورقة يستخدمها كل طرف لإثبات قوته.

وإذا لم تكن هناك تنازلات واضحة من قبل الجانبين، فإن احتمالات فشل المباحثات التي توقفت أكثر من مرة سوف تتكرر في جولة حوارية.

ويسعى المكون المدني إلى الحفاظ على حضوره في كل الحوارات، بعد أن كانت للعسكريين الكلمة العليا في المفاوضات التي جرت مع الجبهة الثورية، وهو أمر لا يصب في صالح قادة الجيش الذين يسعون إلى المزيد من التقارب مع جميع الحركات المسلحة بما يضمن تمريرا سلسا لملف الترتيبات الأمنية.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا العالمية في الخرطوم، محمد صديق خليفة، إن الطرفين ذهبا باتجاه تعميق الأزمة وليس إلى حلها، وكان من الممكن التوافق على أن يكون مصطلح العلمانية، “حياد الدولة عن الأديان المختلفة” خلال أعمال الورشة المنتهية، لكنهما تشددا في استخدام المصطلحات، ما أفضى في النهاية إلى التوافق حول عدد من النقاط من دون أن يكون هناك اتفاق حاسم على استئناف المفاوضات مجددا.

وتوافق الطرفان حول أهمية وجود ضمانات لعدم استغلال الدين في أغراض سياسية أو أيديولوجية، وأن الدولة غير الانحيازية ترعى وتبني العلاقات مع كل الأديان، وتعترف بأهميتها للمجتمع، وتعمل على مساعدة تيسير قوانين الأحوال الشخصية والعبادات.

وأضاف خليفة لـ”العرب”، أن مجلس السيادة قد يلوّح بإجراء استفتاء شعبي على تطبيق مبدأ فصل الدين عن الدولة، وقد يكون التلويح بذلك للضغط على الحركة الشعبية للذهاب سريعا نحو المفاوضات، لأن هناك إدراكا بأن التمسك بهذا المطلب فكرة نخبوية داخل الحركة من دون أن تحظى بتوافق قواعدها.

ويتوقع متابعون، أن تتحرك وساطة جنوب السودان لعقد اجتماعات تضم عناصر عسكرية تابعة للحركة الشعبية مع عدد من أعضاء مجلس السيادة، للوصول إلى صيغة مناسبة لتطبيق علمانية الدولة على الأرض، بما لا يؤدي إلى إثارة قوى إسلامية توظف الأمر سياسيا ضد السلطة.

واعتبر القيادي بالجبهة الشعبية – شمال، جناح الجبهة الثورية، محمد عبدالله إبراهيم، أن المشكلة بين حركة الحلو والسلطة الانتقالية ليست في فصل الدين عن الدولة بقدر ارتباطها بعدم ثقة كل طرف في الآخر، وأن الأولى ما زالت تتعامل مع السلطة الحالية باعتبارها امتدادا للنظام السابق، ومتورطة في قتال عناصرها بالهامش، وتسبب انسحاب الحركة من المفاوضات مرات عدة في عدم الثقة من جانب الوفد الرسمي.

وختم موضحا أن مسار المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) يحظى بحكم ذاتي وفقا لاتفاق السلام الموقع مع الجبهة الثورية، وبالتالي فإن حكام المنطقتين سوف يكون لديهم المزيد من الصلاحيات، من بينها حق التشريع الذي يحدد طبيعة الدولة.

العرب

التعليقات مغلقة.