إثيوبيا .. استدعاء موجبات السلام لا الحرب

19

جمال محمد إبراهيم

لعلّ الاتحاد الأفريقي هو أكثر الأطراف إحساساً بالحرج، من بين الأطراف المعنية بالصراع الداخلي الناشب بين السلطة الفيدرالية المركزية في إثيوبيا وإقليم التيغراي، أحد أهم الأقاليم الإثيوبية التي تسيَّدت إدارة البلاد في العقود الثلاثة الأخيرة.
يحفظ التاريخ القريب للعاصمة الإثيوبية، أديس بابا، أنها التي شهدت مولد منظمة الوحدة الأفريقية في مايو/ أيار 1963، حين توافق “الأنغلوفونيون والفرانكفونيون” من الزّعماء الأفارقة وقتذاك على ميثاق إنشاء المنظمة. ولإكسابها القوة والصدقية، حُوِّلَت على صعيد التطوير إلى كيان سمته القيادات الأفريقية “الاتحاد الأفريقي”، غير أن أكثر الأزمات والنزاعات في القارة الأفريقية لا تحفظ دوراً إيجابياً يحمد لها، إذ تأتي مبادراتها، في أغلب الحالات، لاحقة لمبادرات أخرى من أطراف المجتمع الدولي، ومن الأمم المتحدة تحديداً.

إن كان الصراع الإثيوبي الإريتري قد شكل تحدّياً في سنوات سابقة، فإن حصافة القيادة الإثيوبية حققت اختراقاً ناجحاً، حقق فيه رئيس الوزراء الحالي، آبي أحمد، دوراً فاعلاً لإنهاء الخلاف، فعزّز من حظوظه لنيل جائزة نوبل للسلام لعام 2019، مضافاً إلى دوره في تحقيق التوافق بين قيادات الثورة السودانية في ذلك العام. وفيما تتهيأ إثيوبيا لتولي رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي، ينشب هذا النزاع الدامي بين الإثيوبيين أنفسهم، في صراع سبّب فرار آلاف اللاجئين الذين عبروا الحدود السودانية. يتضاعف الحرج في أروقة المنظمة الأفريقية، بعد إبعاد مسؤولين، بينهم وزير الخارجية الإثيوبي، وهو إجراء يتصل بتداعيات الصراع بين الحكومة وقيادة حكومة إقليم التيغراي.
(2)
كان عصياً على رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي أن يغمض عينيه عمّا يدور حوله في عاصمة المقر. أصدر مناشدة من الاتحاد الأفريقي لوقف القتال، واللجوء للحلول السلمية عبر التفاوض، لكنه ولإعطاء مناشدته توازناً لا يفقده التجاهل المتوقع من الحكومة الإثيوبية، فإنه يستجيب لتقارير حكومة أبي أحمد، ويعفي المسؤول الأول عن الأمن في المنظمة الأفريقية من منصبه، وهو من إثنية التيغراي، لكن ذلك لم يمنع أديس أبابا من رفض المناشدة، بدعوى أن الخلاف الدائر شأن داخلي، ولا شأن للمنظمة الأفريقية به.

لن تحظى تلك الحجة الإثيوبية بقبول، إذ إن مجرّد فرار آلاف من الإثيوبيين من القتال، واتجاههم إلى السودان، يعززان البعد الإقليمي للصراع الذي تزعم إثيوبيا أنه شأن داخلي. كذلك فإن دولاً في الجوار الإثيوبي في منطقة القرن الأفريقي تخشى من تأثير القتال الدائر، فيكون مصدراً لتهديدٍ واضطرابٍ أمنيٍّ في كامل الإقليم. لم تُخفِ الأمم المتحدة انزعاجها من تدهورالأوضاع في إثيوبيا، وخصوصاً أوضاع اللاجئين.
(3)
لعلّ اللافت أيضاً إبداء الجهات المسؤولة عن جائزة نوبل للسلام في النرويج انزعاجها من أن يعمد من نالها لجهوده في السلام إلى تدشين صراع دموي قد يهدّد الأمن والسلم في كامل الإقليم، على نحو ما رُصد من تصرّف لرئيس وزراء إثيوبيا. ردّ الفعل الأممي لم يتعدّ الاهتمام بالجانب الإنساني ومعالجة أوضاع اللاجئين، خصوصاً الذين عبروا الحدود السودانية مع إثيوبيا، والسودان يعاني من ضعف قدراته في هذا المجال. من العسير اعتماد ذلك الصراع الإثيوبي خلافاً داخلياً، أو اعتباره شأناً يخصّ الحكومة الإثيوبية، فقد اضطربت أحوال دولتين جارتين لاثيوبيا على الأقل.
(4)
ملاحظتان ينبغي الإشارة إليهما: نشب الخلاف بين الحكومة المركزية في أديس أبابا وحكومة إقليم التيغراي بسببٍ يتصل بانتخابات في الإقليم وتأجيلها بسبب تفشي وباء كورونا. لم يعد ذلك الوباء يشكل تحدّياً صحياً فحسب، بل هو تحدٍّ سياسيٍّ بامتياز. لا يغيب عن البال أن عدم إقرار الرئيس الأميركي المغادر، ترامب، بهزيمته في الانتخابات الرئاسية، يعود إلى اتصاله بالوباء لناحية اعتماد التصويت بالبريد بسبب بروتوكولات القفل والبقاء في المنازل.

وتتصل الملاحظة الثانية بالتفاوض المتعثر بين السودان ومصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة، فإن المواجهات العسكرية بين الحكومة المركزية في أديس ابابا وأحد أقاليمها المهمة تقلل من أولوية اهتمام إثيوبيا بهذا الملف، خصوصاً أنها تُرخي السمع لخيارات عسكرية قد يتخذها أحد أطراف التفاوض حال انسداد أفق التوافق بشأن ملء السد من مياه النيل. ولا يختلف المحللون حول التوقيت الخاطئ لإشعال خلافٍ داخلي، فيما تواجه إثيوبيا تلميحاتٍ إلى اللجوء لخيارات عسكرية بشأن سدّ النهضة. أكثر ما تحتاجه القيادة الإثيوبية عضد شعبها لها لمواجهة التحديات الماثلة، وليس إرسال مواطنيها نزوحاً إلى بلدٍ هم في حال من الاضطراب سياسياً وفنياً معه.
(5)
يستوجب الظرف الذي تمرّ به إثيوبيا تجاوز الحساسيات الداخلية، والعمل على تعزيز وحدة وطنية جامعة، لا توسيع دوائر الخلاف في الإقليم، مثلما يتطلب دبلوماسية عاقلة ومسؤولة، تطفئ بؤر الخلافات والصراعات الداخلية. من المفارقات أن تعمد الدولة التي ترأس مجلس السلم الأفريقي لهذه الدورة إلى تشكيل “مجلس حرب” على أحد أقاليمها المهمة، فلا تتبين أن لذلك الخيار تداعيات خارجية أخطر وأفدح. على القيادة الإثيوبية أن تستدعي تاريخ إسهامها في تأسيس الوحدة الأفريقية، وأنها من بين كل الدول الأفريقية الأعضاء في تلك المنظمة، عليها أن تكون الأحرص على السلم والأمن في أنحاء القارة الأفريقية.

العربي الجديد

التعليقات مغلقة.