الفصل الأخير لامبراطورية (منظمة الدعوة الإسلامية)

48

 ماهر أبوجوخ

ظلت منظمة الدعوة الإسلامية أحد الأذرع الفاعلة التي أسستها الحركة الإسلامية في السودان في العام 1980م بموجب أحكام لقانون الهيئات التبشيرية لسنة 1962م لدي ممارستها لأنشطتها واكتسبت المنظمة أهميتها السياسية من عدة جوانب، فهي مثلت الجسر الذي مدت به الحركة الإسلامية صلاتها مع العديد من الجماعات الإسلامية الإقليمية والدولية واستقطبت من خلالها دعماً مادياً كبيراً بغرض استخدامه وتوظيفه في مجال الدعوة الإسلامية، وبجانب ذلك فإن الاستثمارات التي ارتبطت بالمنظمة وعلى رأسها (دان فوديو) للمقاولات مثلت رافعة اقتصادية مهمة للمنظمة والحركة الإسلامية ومنسوبي التنظيم.

ارتبطت المنظمة بالترتيبات الخاصة بإعداد انقلاب 30 يونيو 1989م، حيث تم تسجيل البيان الأول للعميد ركن – وقتها – عمر حسن أحمد البشير داخل مباني المنظمة التي كانت تمتلك وحدات إعلامية متطورة مماثلة للموجودة في تلفزيون السودان، أما الدور الأهم خلال تلك الفترة فهو مرتبط بوجود نائب الأمين العام للجبهة الإسلامية على عثمان محمد طه داخل رئاسة مبني المنظمة خلال الشهور الأولى للانقلاب مختفياً عن الأنظار هارباً من الاعتقال الذي طال كل القيادات السياسية برفقة عدد من القياديين بالجبهة الإسلامية خاصة العناصر المدنية المسؤولة عن الجناح العسكري وإشرافهم من موقعهم هذا علي وضع الترتيبات الخاصة بحكم البلاد، وبكل تأكيد فإن هذا الاختفاء تم بمباركة ورعاية من الكادر العسكري الإسلامي المنفذ للانقلاب.

خلال تلك الفترة من داخل مقر منظمة الدعوة الإسلامية رسخ طه لسيطرته على مقاليد الأمور السياسية والأمنية والاقتصادية في فترة غياب الأمين العام للجبهة الإسلامية دكتور حسن الترابي بالسجن الذي تعمد طه إبعاده من المشهد لأطول فترة ممكنة، وحينما خرج الترابي من السجن وجد أن نائبه وضع مقاليد الأمور في يده وسيطر على الخيوط، ولذلك فإن الترابي شرع بكل براعة في استرداد تلك الخيوط واسترجاعها وانحنى طه للعاصفة قبل أن ينهض مجدداً بعد أقل من عشر سنوات ليهندس مذكرة العشرة في أواخر 1998م التي انتهت بالمفاصلة بين الإسلاميين ومغادرة الترابي للسلطة.

أنشطة تجارية واستثمارية

قررت الحركة الإسلامية منح منظمتها (الدعوة الإسلامية) وضعاً تفضيلاً على مستوي البلاد فأصدرت في شأنها قانوناً خاصاً عُرف باسم (قانون منظمة الدعوة الإسلامية لسنة 1990م) ومنح هذا القانون المنظمة امتيازات وحصانات تتضاهى في بعض الجوانب الممنوح للبعثات الدبلوماسية، ومُنحت بموجب هذا القانون امتيازات وإعفاءات جمركية وضريبة ومن الرسوم الحكومية.

ولخص عضو لجنة إزالة التمكين الأستاذ وجدي صالح وصف هذه المنظمة بقوله “أنها كانت الدولة الحقيقة التي تدير البلاد”، وكشف أن الأنشطة المرتبطة بالدعوة التي تقوم بها المنظمة تبلغ نحو خمسة في المائة من أنشطتها في ما يتركز بقية نشاطها في الاستثمار والعمل التجاري والتمتع بالإعفاءات الجمركية والضرائب، معتبراً قرار حلها لا يقصد به العمل الإسلامي “وإنما هو تصحيح لوضع خطأ لازم المنظمة منذ تأسيسها”.

ونص القرار رقم (156) الذي أصدرته لجنة إزالة التمكين بإلغاء تسجيل وحل منظمة الدعوة الإسلامية وإلغاء قانون 1990م الخاص بها بجانب الحجز واسترداد كل أموالها وحساباتها وأصولها العقارية والمنقولة ومقارها ودورها وشركاتها وكل استثماراتها داخل وخارج السودان وإلغاء سجل كل الشركات وأسماء الاعمال المملوكة لمنظمة الدعوة الإسلامية، ونص القرار على أيلولة كل الأموال والعقارات والمنقولات المملوكة والمسجلة باسمها لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي.

الدخول للمقر وحمايته

قضي قانون المنظمة لسنة 1990م في المادة الثالثة منه على استمرار المنظمة المنشأة والمسجلة وفقاً لقانون الهيئات التبشيرية لسنة 1962م وتعتبر قائمة كما لو أنشئت بموجب أحكام هذا القانون واستمرار نظامها الأساسي سارياً، في ما نصت المادة الرابعة من ذات القانون على أيلولة وتسجيل العقارات المرفقة بالجدول الثاني من القانون في تسمها بجانب أيلولة جميع أموالها الأخرى وعدم المساس بأي حقوق أو امتيازات منحت لها أو التزامات قبل صدور هذا القانون.

منحت المادة السابعة من القانون مباني المنظمة حرمة فمنعت الدخول لمقرها إلا بإذن مكتوب من المدير التنفيذي للمنظمة وألزمت المادة 7 (1) المنظمة بعدم السماح باستخدام مبانيها كملجأ أو لحماية أي شخص صدر ضده أمر قبض أو إعلان قضائي او شبه قضائي من السلطات الحكومية وألزمت المادة 7 (2) حكومة السودان باتخاذ جميع الوسائل اللازمة لحماية مبانيها ومنع اقتحامها أو الإضرار بها مادياً أو معنوياً من تلقاء نفسها –أي الحكومة- أو بناء علي طلب المنظمة في ما نصت المادة 7 (3) على عدم خضوع مباني المنظمة للاستيلاء أو التأميم أو الحجز أ التفتيش إلا بموافقتها ومنحتها المادة 7 (4) حق رفع شعارها على مبانيها وكافة وسائل تنقلاتها وفقاً للعرف الدبلوماسي.

امتيازات وإعفاءات

منحت المادتين الثامنة والتاسعة حصانات لمراسلات المنظمة وأموالها فالمادة (8) لم تكتف بحصانة محفوظات ومراسلات وطرود المنظمة وعدم جواز تفتيشها أو فتحها أو مصادرتها وإنما ألزمت حكومة السودان بتسهيل اتصالات المنظمة البريدية والهاتفية والبرقية واللاسلكية، وفي ذات السياق فإن المادة (12) منحت المنظمة أفضلية الأجور والرسوم في كل الوسائل الرسمية في ما يتصل بخدمات البريد والبرق ونقل الصور بالراديو والأقمار الصناعية والأجور المطبقة على الصحافة والراديو والتلفزيون.

منحت المادة التاسعة من القانون أموال ومنقولات ووسائل النقل التابعة لها الحصانة بحيث لا تخضع للتفتيش أو الحجز أو الاستيلاء عليها إلا بموافقة كتابية منها، أما المادة العاشرة فمنحت المنظمة حق التصرف دون قيود بحيازة النقد بمختلف العملات وتشغيل حساباتها بأي عملة كانت بما يحقق أهدافها وحق تحويل ونقل نقودها وودائعها من دولة لأخرى وتحويل أموالها من عملة لأخرى مع منحها حق الاستفادة من أفضل أسعار العملات التي يحددها بنك السودان عند شرائها للعملة السودانية على أن تأخذ في الاعتبار عند ممارستها لهذه الحقوق أي ملاحظات تقدمها الحكومة.

أعفت المادة الحادية عشرة المنظمة وأموالها الثابتة والمنقولة ودخلها وأي ممتلكات تابعة لها من جميع الضرائب والعوائد والرسوم المباشرة وغير المباشرة المعمول بها في السودان والمفروضة من قبل الحكومة الاتحادية أو الولاية أو المحلية على أن لا يشمل هذا الإعفاء الرسوم الخاصة نظير استعمال المرافق والخدمات العامة. شمل الإعفاء أيضاً المنصوص عليه في هذه المادة الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع والمعدات والآلات والسيارات التي تستوردها أو تصدرها المنظمة لاستعمالها الرسمي والإعفاء من المنح والقيود المفروضة المفروضة على الاستيراد والتصدير في حالة البضائع المستوردة أو المصدرة للاستعمال الرسمي للمنظمة ونصت المادة 11 (2) من القانون علي عدم جواز بيع أي من المواد التي تم إعفاؤها بموجب هذه المادة قبل مضي ثلاثة سنوات من تاريخ استيرادها.

ألزمت المادة (18) من القانون حكومة السودان بمنح المنظمة أراضي زراعية وسكنية واستثمارية بالقيمة الاسمية لاستعمال المنظمة في أعمالها الخيرية أو الاستثمارية متي ما طلبت المنظمة ذلك واشترطت المادة تقدم المنظمة بمشروع متكامل لكيفية استغلال هذه الأراضي.

حصانات وميزات دبلوماسية

نصت المادة الثالثة عشر على تمتع موظفو المنظمة المعتمدون بحرية التنقل والمرور في السودان مع مراعاة ما تقتضي به النظم والتعليمات بشأن المناطق المحرمة والممنوع دخولها. حددت المادة الرابعة عشرة حصانات وامتيازات أعضاء مجلس أمناء المنظمة ومراقبي مجلس الأمناء والأمانة العامة والمدعوين المعتمدين لحضور اجتماعات المنظمة أو ممارستهم لمهامهم فيها أو سفرهم أو عودتهم من مقر اجتماعاتها المنعقدة بالخرطوم بعدم القبض عليهم أو اعتقالهم أو حجزهم أو أمتعتهم الشخصية في ما عدا جرائم الحدود الشرعية، وعدم التعرض القانوني لهم جراء ما يصدر عنهم من قول أو كتابة أو فعل بصفتهم الرسمية وحرمة محرراتهم ووثائقهم وأمتعتهم وإعفاء غير السودانيين منهم من قيود قوانين الهجرة وتسجيل إقامة الأجانب.

حددت المادة الخامسة عشرة حصانات وامتيازات موظفي المنظمة ومستشاريها المعتمدين لدى الحكومة والتي تشمل عدم التعرض القانوني لهم جراء ما يصدر عنهم من قول أو كتابة أو فعل بصفتهم الرسمية في ما عدا جرائم الحدود الشرعية وإعفاء مرتباتهم ومكافأتهم من الضريبة مع إبقاء الزكاة واستثناء موظفي المنظمة ومستشاريها وعائلاتهم من قيود الهجرة وإجراءات التسجيل الخاصة بالأجانب ومنحهم امتيازات الدبلوماسيين الأجانب المعتمدين لدي حكومة السودان بما في ذلك حق فتح حساب جار بالعملة الأجنبية في أي مصرف وتحويل الإيداعات الموجودة في تلك الحسابات على أن يتمتعوا بهذه الحصانة والامتيازات فور إبلاغ حكومة السودان بأسمائهم وتنتهي بانتهاء عملهم أما في حالة الموظفين والمستشارين غير السودانيين فإنهم يتمتعوا بالحصانة لحين مغادرتهم للسودان.

نجد أن المادة 15 (3) منحت المدير التنفيذي للمنظمة حق رفع الحصانة عن أي موظف في حال رأي أن هذه الحصانة تحول دون أن تأخذ العدالة مجراها ويمكن رفعها دون الإضرار بمصالح المنظمة.

إذن، فقرار لجنة إزالة التمكين بإلغاء سجل وحل منظمة الدعوة الإسلامية يكون قد أنهى أسطورة هذا المكان وسطوته وهيمنته التي تبرز بشكل واضح في ثنايا ذلك القرار.

 

التعليقات مغلقة.