تفاعلات الإبداع

10

 أمير تاج السر

تطالعنا الأخبار هذه الأيام عن اكتشاف لقاحات عدة لفيروس كورونا، الذي يشغل الدنيا منذ عام، مستهترا، وعنيفا، وسيئ السلوك إلى أقصى حد. وكانت شركات الأدوية العملاقة، قد أجلت مشاريع دوائية كثيرة في طور النمو، وانشغلت بمرض كورونا، وأذكر أن ثمة أبحاث عن علاج لمرض التوحد، ذلك المرض الكئيب الذي يفتك بالطفولة، بصورة هستيرية كانت ستتم هذا العام، لكن ذلك لم يحدث وأصبح 2020 هو عام كورونا وحده.
أعتقد إن اعتمدت تلك اللقاحات بالفعل، وأنتجت بكميات تكفي لحقن الكرة الأرضية، وتجنيب الكوكب مزيدا من الخسائر، سنتحدث عن إنجاز كبير، يحدث بموجبه التفات حقيقي للإنسان وقيمته التي هزأ منها كوفيد 19، بدءا من إخفاء الملامح خلف قناع الوجه أو الكمامة، وانتهاء بسكنى القبور، التي باتت السكنى الأكثر انتشارا في عدد من الدول، مثل أمريكا والبرازيل والهند.
كانت أسئلة كثيرة تدور عن إمكانية استخدام تلك الهسيتريا المرضية، في أعمال إبداعية، أي أن نقصد كتابة روايات وقصص تحكي جزءا من ما عشناه وقد نعيشه لفترة أخرى، حتى إن انحسر المرض، وعاد شيء من الحياة إلى ما كان عليه من قبل؟
الأسئلة تلح، وفي كل مرة تتاح لنا فرص للحديث في منبر ما، يأتي من يسأل: هل سيترك مرض عالمي مثل كوفيد 19، هكذا بلا رواية ضخمة، ترصد تداعياته؟
أظنني أجبت عن هذه التساؤلات مرة، من وجهة نظري طبعا، بأن الكتابة الإبداعية في كثير من نشاطها، تؤرخ للأحداث الكبرى والمهمة، بطريقة أفضل كثيرا من التاريخ، لأن التاريخ مادة علمية تكتب بأدوات لا دخل لها بالمشاعر، أو الحالات النفسية والمزاجية لمن ترصدهم، أو ترصد تفاعلهم مع الأحداث، بينما الرواية بالتحديد، ملحمة إنسانية، يمكن أن تمسك بالحقيقي، وتقرنه باللاحقيقي، وتتوغل مفرداتها إلى الداخل الإنساني، والقارئ حينها يحس بالمتعة أولا، وفي الوقت نفسه، يلم بحقائق، كتبها التاريخ بطريقته، وكان من الصعب الإلمام بها.
هذا رأي بالطبع، وهناك من يرى غير ذلك، لكن لو عدنا لأحداث مهمة مرت بالبشرية، مثل المجاعات، والحروب والفيضانات والأعاصير، والثورات الغاضبة، لعثرنا على ما رواه التاريخ علميا ومقتضبا، تمت روايته إبداعيا، بطريقة ملهمة. لننظر إلى رواية مثل «المريض الإنكليزي» التي استوحاها الكاتب مايكل أوبتانجي، من أجواء الحرب العالمية الثانية، ورصدت الوحشي والإنساني في تلك الحرب، بمعنى أنها أخذت من التاريخ، ولم تغفل الإحساس الإنساني أيضا، في قصة الحب الملتحقة بالرواية، ولتصبح المعلومة المستخلصة من رواية كهذه، ثرية، وتصل لأبعد مستوى من التذوق، بعيدا عن الكتابة المدرسية، وأيضا تحصل على جوائز نظير ما قدمته.

نحن في البلاد العربية كانت عندنا ثورات في السنوات العشر الأخيرة، بعضها أطاح بأنظمة متسلطة، وبعضها تمزق أو اغتيلت طموحاته، ولم يحدث التغيير الذي كان لا بد أن يحدث، وحتى الثورات التي نجحت بالفعل، لم يستطع بعضها الصمود كثيرا أمام وحشية الطرح الاستغلالي، والهمجي للذين لا يريدون أي تغيير في الدنيا، وعادت الأمور إلى نهجها المتوارث.
إذن هل يمكننا ترك حوادث مهمة كهذه، سواء كانت مكتملة النتائج أو غير مكتملة، تمر من دون أن نتناولها إبداعيا؟ بالطبع لا، حوادث كهذه، هي ملهم أساسي للكتابة، خاصة لكتابة الجيل الذي عاصر ما قبلها، وعاش داخلها، ويعيش ما بعدها، وأذكر في بداية ثورات الربيع العربي أن ناديت بضرورة الكتابة لكن بعدم الاستعجال، أي عدم كتابة أعمال إبداعية مصنوعة بسرعة من أجل البيزنس، والتروي لنرى نتائج سلبية أو إيجابية ثم نكتب، لكن بالطبع كتبت الكثير من الروايات، بعضها كتب بلا أفق ولا رؤية، وبعضها كتب بتأن ونضوج، والخلاصة أننا حصلنا على ما يهمنا من الناحية الإبداعية، وهي المراجع التي قد نعود إليها حين نتحدث عن واحدة من تلك الثورات، وأقصد بالمراجع هنا، التفاعل الإنساني العريض.
مسألة أخرى شغلتنا فترة في العالم العربي أيضا، وهي مسألة التطرف و«داعش» والتخريب الذي طال بلادا ومدنا زاخرة وذات حضارات إنسانية موغلة في القدم، من جراء ذلك المرض الهستيري المتطرف، وكلنا شاهدنا إبادة متاحف كانت تحكي سيرا زاخرة، والقضاء على تماثيل شعراء وعلماء، كان وجودها مهما من أجل تذكر الأفضل في الحياة البشرية، ومحاولة اتباعه، أيضا السبي وانتهاك المرأة، وأشياء أخرى عديدة..
هذه مسألة لم يكن من السهل تجاوزها إبداعيا، قطعا التاريخ سيكتبها، لكن الإبداع يستطيع تعميمها، وإيصالها لأي مكان، وقد كتبت بالفعل روايات عديدة عن تلك الهستيريا وتداعياتها، وأيضا بعضها كان تجاريا محضا، والبعض الآخر كان أعمالا عظيمة تستحق أن تبقى.
أعود لكورونا ومشاكله، وأؤكد أن فيروسا وقحا كهذا وما أحدثه من خسائر مادية ونفسية في الدنيا، لا يمكن أن يفلت من الكتابة الإبداعية بأي حال من الأحوال، إنه مواضيع كثيرة جدا وليس موضوعا واحدا، وقد ذكرت في حوار قبل مدة قصيرة، إن الإبداع حين يتناول كورونا، لا بد أن يكون متفوقا على المتلقي المفترض للعمل الإبداعي، لأن ما يعرفه المتلقي قد يفوق ما يعرفه الكاتب نفسه، أو يضاهيه، لذلك لن تعطي أحدا معلومة غائبة عنه، فقط يمكنك إعطاءه رؤيتك الخاصة، والتفاعل الإنساني الذي تقترحه.

القدس العربي

التعليقات مغلقة.