(نحو) الأمية

6

ناهد قرناص

والعبارة أعلاه كانت طرفة متداولة أيام الزمن الجميل.. عندما كنا منارة التعليم في الوطن العربي وافريقيا و(قفلنا واحتفلنا) بالتعليم الابتدائي المجاني.. فانتشرت مدارس مسائية لتعليم الذين فاتهم قطار الدراسة.. ولديهم رغبة في التعلم.. .فكانت مدارس (محو الأمية).. لكن البعض كان ينقطها خطأ فيبدل الميم بالنون فتضيع الكلمة ويختلف المعنى جملة وتفصيلا.

قبل أيام قرأت لافتة في الطريق العام.. لافتة لمؤسسة حكومية رسمية.. يعني (لافتة متعوب عليها ومدفوع فيها الشيء الفلاني ).. مكتوب (صك العملة).. أيوة والله.. (صك) بدلاً عن (سك ).. وما بين الصاد والسين.. ضاعت الكلمة وتاه المعنى.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.. ويبدو ان الصاد في طريقها إلى تسيد المشهد عنوة واقتدارا وما (حدش قادر يلمها) فقد صار من المعتاد ان تقرأ في الشريط الاخباري الرسمي إطلاق (صراح) بدلاً عن إطلاق سراح.. ويا قلبي لا تحزن.

فجأة لاحظت ان أعيننا تعودت على الأخطاء الإملائية.. ولم تعد تثير فينا ذلك التقزز أو التحسر على الكتابة كما كان الأمر في البداية.. عادي صرت اقرأ (الذمن) و(الاعتزار)..و(القضب).. وأهز كتفي وأقول في نفسي (وأنا مالي).. بل انني قرأت قبل أيام كلمة (الاقتراح) في مجمل حديث عن الانتخابات الأمريكية.. ولم أفهم المقصود الا بعد ان اكتشفت المقصود هو كلمة (الاقتراع).. والمؤسف في الأمر ان الأخطاء أعلاه لا يرتكبها أشخاص لم يكملوا دارستهم.. لكنها تأتي من أشخاص نالوا من التعليم أكثره وربما كانوا من الذين تقدموا الصفوف في التخرج.. حينها تعلم يا صديقي أننا فعلا نسير (نحو الأمية).

لجنة القراي.. لا أدري بالضبط ما تقوم به.. وهم كغيرهم من اللجان يحيطون عملهم بسياج عال من السرية والتكتم.. وكل مرة ترشح إشاعة بأن هناك دروسا قد تم الغاؤها.. او هناك دروساً تمت اضافتها.. ومن ثم ويتم نفي هذه الاخبار.. و(بس خلاص ).. المهم.. يا جماعة الخير.. والذين بيدهم الحل والعقد في امر المناهج والتعليم.. أعيدوا للتعليم هيبته.. وللغة العربية مكانتها.. وبالذات حصص الإملاء.. ودروس المطالعة والمكتبة.. والنصوص والأناشيد.. وكل تلك الكتب التي ظلت محفورة في أذهاننا رغم تباعد الزمن والتقدم في العمر.

(نجي بعد دا للافتات).. الذين يقومون على أمر اللافتة عادة ما يكون جل همهم هو المبلغ الذي يتم إنفاقه.. وتصديقه واستخراجه ومحاولة (مباصرة) جزء منه للصالح (الخاص).. إلى هؤلاء المذكورين آنفاً.. عندي ليكم مفاجأة صغيرة.. تخيلوا أن تصحيح العبارات المكتوبة خدمة مجانية.. لا تنقص من المال شيئا.. فقط (أسأل قوقل).. انفق جزء بسيط من وقتك للتدقيق في الكلمات المكتوبة في اللافتة.. فالخطأ اللغوي بعد قليل تعتاد العين عليه حتى يتم اعتماده بديلاً للصحيح.. ومن ثم يأتي زمن تصير فيه الأمية واقعاً وليست مجازا كما هو حادث الآن…في هذ الزمن السعيد الما بعيد.

المفارقة غير السعيدة أنني وفي طريقي للعمل صباح أمس قرأت على ظهر حافلة ركاب عبارة (الذمن قدار).. فوجدتني أهتف دون وعي (اقبل وين وأحكي الوجعة).

 

التعليقات مغلقة.