فراق الأحبَّة !

21

زهير السراج
manazzeer@yahoo.com

* اختطف فيروس الكورونا الكثير من الأهل والأحباب والأصدقاء ولم يترك أسرة إلا وغرس فيها مخالبه السامة وأغرقها في الدموع والأحزان، وأثبت أن الإنسان ليس سوى كتلة من الشر والضعف يصنع المرض بيديه ويعجز عن حماية نفسه منه، ويهدر مليارات الدولارات كل يوم على صناعة الأسلحة والجراثيم والحرب والقتل والدمار الشامل والمؤامرات ويبخل على التعليم والصحة والغذاء .. يتحمس للشر أكثر ملايين المرات من ما يتحمس للخير، ويهزمه فيروس صغير جدا من صنع يديه .. تخيلوا حال العالم اليوم لو كانت المليارات التي تُهدر على أعمال الشر تُنفق على أعمال الخير !

* فُجعت في اليومين الماضين بوفاة صديقين عزيزين، طاهرين عفيفين صادقين مع نفسهما ومع الآخرين، تميزا بإتقان عملهما ومحبة الجميع، كما تميزا بالشجاعة والجرأة في مواجهة المواقف الصعبة .. هما المهندس المدني المرحوم عبد السلام محمد عبد السلام العجيلي، والطبيب البيطري الدكتور حمزة باهي السيد، الأول من أبناء أم درمان، والثاني من الأبيض وأم روابة، ولد كلاهما وتربى في أعرق الأسر والاحياء، ودرسا في اعرق المدارس والجامعات ونهلا من عراقة هذا الشعب الكريم، وانعكس ذلك على كل جوانب حياتهما وخصالهما الكريمة.

* التقيت بعبد السلام بمدرسة أم درمان الأهلية الوسطى التي تغير اسمها بعد تغيير السلم التعليمي إلى مدرسة أم درمان الأهلية الثانوية العامة، وانتقلنا سويا الى مدرسة أم درمان الأهلية الثانوية العليا، ثم إلى جامعة الخرطوم، ورغم المنافسة الأكاديمية التي كانت بيننا وزملاء آخرين، وكان أولنا وأنبهنا، إلا أننا كنا أصدقاء نذاكر سويا ونأكل الفول والبوش يوميا مع بعض ونتشاكس بمحبة حيث كان من مشجعي المريخ بينما كنت من مشجعي الهلال، ولم نفترق إلى أن اصطفاه الله إلى جواره يوم الجمعة الماضية، غير أن روحه الطاهرة ستظل تحلق فوقنا بسيرته العطرة وخصاله الحميدة وأعماله العظيمة!

* عمل المرحوم فترة طويلة في وزارة الأشغال والمؤسسات الحكومية المشابهة بعد حل النظام البائد للوزارة ليسرح ويمرح على كيفه ويتلاعب في تصديقات البناء وشراء المواد ولجان العطاءات حيث كانت وزارة الأشغال هي المسؤول الأول عن هذه الأعمال وحائط الصد ضد الفساد، وبحلها فسد كل شيء!

* وكانت له قصة نضال شهيرة ضد قضية فساد كبيرة في وزارة التخطيط العمراني بولاية الخرطوم تتعلق بخصخصة شركة الخرطوم للإنشاءات، كنتُ طرفا فيها بالكتابة عنها عدة مرات ودخلت بسببها مع المرحوم وبعض شباب الوزارة الشجعان أذكر منهم عبد الحميد كرار وعبد الرحمن محمد إبراهيم، إلى معتقلات نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة أكثر من مرة وواجهنا الكثير من الظلم والعنت والمشقة ولكننا لم نتقاعس أو نجزع، وظل عبد السلام ورفاقه يناضلون في كل المواقع من أجل كشف الفساد والمفسدين إلى انتهى الحال بهم إلى الإحالة إلى الصالح العام!

* تميز عبد السلام بالصبر والجلد والعزيمة، وأذكر هنا على سبيل المثال أنه تقدم باستقالته من كلية الطب بجامعة الخرطوم بعد عام من الدراسة فيها وكان قد التحق بها إرضاءً لأسرته التي يعمل معظم أبنائها في المهنة، وعمل مدرسا لمدة عام واحد جلس في نهايته لامتحان الشهادة الثانوية بكامل موادها ونجح بتفوق والتحق بكلية الهندسة، وعندما أحيل إلى الصالح العام، أسس شركة مقاولات صغيرة مستعينا بعدد من زملائه المفصولين، ظلت تنجح وتتطور إلى أن أصبحت من شركات المقاولات الكبيرة بمثابرته ونزاهته الأمر الذي اكسبه احترام العملاء، كما كان رقيقا كالنسيم وخادما للجميع ومجاملا في كل الظروف والمناسبات !

* والتقيت بحمزة بكلية الطب البيطري بجامعة الخرطوم وعشنا أجمل السنوات، تميزت بالحب الصادق والصداقة الحقيقية التي امتدت الى الاسر وظللنا سويا بعد التخرج حتى لحظة وفاته، وسيظل خالدا في قلوبنا بخصاله الجميلة وإسهاماته الكبيرة في العمل المهني والنقابي حيث كان خير قائد لزملائه، وتميز بالهدوء والصبر والرقة والبشاشة !

* ما أشق فراق الأحبة، ولكننا لا نملك إزاءه سوى الصبر، ولا نقول إلا ما يرضى الله، أسأل الله للفقيدين الكبيرين الرحمة والمغفرة، وأن يلهمنا واسرتيهما واصدقائهما الصبر الجميل، لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون!

الجريدة

التعليقات مغلقة.