في حضرة الصديق

33


أيمن كبوش

# كلما رن هاتفي هذا، أو استقبل رسالة من ذلك النوع الذي يجبر الخاطر، أدركت تماما بأن أجمل الكلمات ما كان غيبا، وان أجمل كلماتنا في الحياة هي التي لم نكتبها بعد، ساعتها فارقت ذلك الدرب الذي يحضني على استدرار سحب القنوط التي طالما خيبت ظني فيها وجعلتني رهينا لمبدأ “ما عاد في العمر شيئا يا فؤادي لتشتهيه”.. حيث هناك هاتفا يناديني “دع القلق وانطلق واستمتع بالحياة”.
# كلما جاءتني هذه البرقيات، تذكرت أدب الرسائل في سيرة الشاعر الومضة عبد القادر الكتيابي الذي كتب قصيدته الفخيمة “في حضرة الصديق.. إلى عبد القادر أحمد سعد” فقال: “وحسبت نفسى قدر نفسك –
كنت مغروراً .. أفقت .. عرفت أنك فوق ما يلد الزمان – وفوق ما تهب الحقول.. ملك جبينك تحت ظل العرش والأقدام ثابتة بقيعان السهول.. وعرفت أنك كوكب يمشي غريباً في الحياة ولا يرى قبل الأفول.. عجباً تلاقينا توائم في رنين الاسم – والذات الغريبة.. في نحول الجسم.. في طرق التعفف والميول.. لهب المواهب الضياع المر يسحقنا الزمان كحبتي قمح وتخطئنا العقول..
# من هذه الربى الشاهقة اخط توقيعي.. وعلى مقربة من تلك الضفاف الحالمة أمارس دور “المحولجي” الذي يخلف رجله على الاخرى مستأنسا بصوت المذياع والمغني “يدوس على الوجع”.. “حبان قسايا نسوا.. على قليبي قسوا..”.. إلى أن يسوقه الحبيب “عبد العال السيد” إلى تلك الجراح: “الريح مشت من غير تشتهي نفسي.. وأصبحت زي شدرا سابو الخريف منسي”.
# مازالت ام درمان هي “صديقنا” وحضرتنا التي نخصها بالرسائل والتلغرافات، مازالت الحروف هي المبتدأ والخبر وليال السمر والحب الكبير، و… فضضت المظروف الأنيق كفاحا، وبدأت اقرأ بصوت مسموع: “السلام عليكم اخي ايمن.. اراك متيما بامدرمان الحضارة و التاريخ امدرمان الأزرق و الأحمر و هما صنوان في خارطة كرة القدم السودانية فهما قدران في مجرى كله قيم و أخلاق فقد كانت الجوهرة حاضنة الأحمر الأصفر أمام أخوة من الكونغو فكان الدفء من آلام الرءوم الزرقاء كسلطنة سنار فجاء النصر من مقبرة الخصوم التي ازدانت عروسا امدرمانية فاحتفلت بنصر الصقور على النجوم الزرقاء قبل نصر المريخ… و اكتمل البدر من داخلها بنصر الفرقة الزرقاء على الأفاعي و أيضا افترس الأمل و ما احلاه بطل جزيرة القرنقل…. فتبارك ذلك المجرى…. و في استرسالنا و تغزلنا في ام درمان نسيت اخي ايمن الخرطوم عاصمة السودان التي احتضنت الكاشف من مدني ليسكن في الخرطوم تلاتة قبل أن يسكن قلوب السودانيين و القامة وردي و على ميرغني كانا أيضا من الذين يسمعون جانوار يغني لمحبوبته عشة باريخ في سينما الخرطوم جنوب التي يسكنون خلفها في تلاتة حلاتة منقة بالخلاطة و عثمان حسين و الجاغريو سكنا السجانة و احمد المصطفى خرطومي الهوا و كذلك سيد خليفة بعد أن حضرا من الدبيبة و لا ننكر أن امدرمان استوطن بها كثير من الشعراء و لكني استعير عبارة قالها اللواء م عبد الحي محجوب… البسه الله ثياب الصحة و العافية.. قالها في ندوة في دار فلاح عن الحقيبة بعد أن سرد تاريخ غناء الحقيبة و عدد أيضا إسهامات الخرطوم في رفد الثقافة في تلك الفترة… قال لهم (انتو يا ناس امدرمان بتتفاصحوا ساكت فالخرطوم مساهمتها الثقافية أكثر منكم… بس انتو بناتكم سمحات ناس الخرطوم يعرسو منكم تقومو ترحلوا أولادنا معاكم و ينسي انه خرطومي) فضجت القاعة بالضحك و التصفيق الحار و احتجت على ذلك بنات خرطوميات هن الجيم من الجمال و اللام من الهلال و يردد السمار لهن غزلا و نواحا..
ينام الناس حولي و اشتياقي إليك يرد طيف النوم عني…
و لكني و سهدي يعتريني و اوتاري تكف عن التغني
أكاد احس انا ما التقينا و اني لست منك و لست مني….
فالعشق لديه خرطومي النسمات…. و بس و ان كنت لا اتفق معه.. و ادلف إلى توتي حمد الريح كفر و وتر فهي خرطومية الميلاد اما و ابا و لكن أهل امدرمان يحنون إليها و بحري كذلك فهي واسطة العقد… كحي كبوش بين سنار المدينة والتقاطع و الذي يربط المدينتين فهو متكأ المسافرين بينهما حضنا دافئا…. به هلال ينشط في دوري سنار و منها ايمن كبوش… الا يكفي.. اقول وداعا و انا وجدت نفسي بلا مقدمات في نقاش رياضي ثقافي لا أملك ناصيته فأنا اتواضع أمام مفردات أخوة إعلاميين احبهم و لكن اتقاصر أمامهم فصاحة و بلاغة… و أردت أن أضع حرفا صادقا في حق
محبوبة هي الميلاد و المنشأ و احتضنت الجميع و اوتهم حتى الذين لم يعرفوا قدرها… فهي ام الجميع…
لك ودي و تقديري

م. عزالدين الحاج

# كاد المساء أن ينقضي عندي بذلك الضياء، لولا خشيتي من أن ترفض الايام ان تستمهلني لكتابة قصص جديدة، ولكن ماذا كتب القادم من أرض الحروف والجروف والقيف ورابطة سنار الأدبية ونبيل غالي جرس ومحمد عبد الحي ومحمد ابراهيم ود الخليل و…. “أما أنا فما يعجبني في حروفك فهي شخصيتها الموغلة في الوضوح والمباشرة… حروف لها شخصية ولا أقول لونية… قوية تلكم الحروف المنطوقة قبل المكتوبة رغم رومانسيتها ولثغة الكلام (اللجنة) كما نقول… وان كنت أنا أذكر.. وأنت لا تذكر.. أول نصيحة قدمتها لي وانا متدرب بفضلك بمجلة (الساهر) قبيل نيف من السنوات.. قلت لي (أكتب الخبر قويا وشجاعا واضحا ومباشر كما حدث ودع عنك المقدمات والمساحيق).. فعن الحروف الواثقة بما لديها وعندها أتحدث.

علاء الدين حمزة عباس

التعليقات مغلقة.