طيَّب الله ثرى حِمَّيد السودان

78

طربتُ كثيراً حين تناهى إلى أُذنيَّ صوت الراحل محمّد كرم الله في يومٍ ما من شهرٍ ما من سنةٍ ما في سبعينيات القرن العشرين وهو يصدح عبر أثير إذاعة أم درمان بأغنية (شِنْ طَعَمَ الدروس).. ولـمّـا علمتُ أن شاعرها كان لم يزل وقتذاك يافعاً وضع قدمه للتو على أعتاب الـمرحلة الثانوية، دُهشت كثيراً وسمعتُ نفسي تسائل نفسي: من أين لهذا الصبي كل هذا الإبداع البديع الـمدهش ؟

مرَّت أعوام وأعوام… بل أفل قرن وأهلَّ قرن.. واستوى عود ذلك الشُّويعر الصبي الذي كان … نضجت شاعريته على نار الوَجْد واصطلت بجمر (الوحيح) أسفاً على مآلات وطن وتراب عشقهما بحسِّ عبقريٍ كان قدره أن يُولد شاعراً ويعيش ليتنفّس شعراً لا يحيد فيه عن الحق ولا يتنكَّب صراط الشرفاء الـمستقيم ثم يلقى ربه وفي باطن كفِّه جمرة..
وكان أن أتى عليَّ حين من الدهر قال لي فيه صاحبي وهو يحاورني (شِعِرْ حمِّيدنا دا زي قَصَبَةْ مَدَالْقَ السّيلْ.. رَوْيَان وُتَرْيان وُنَدْيان وُما فيهو فِرِدْ كِليمْتَن تَشِمْ فيها ريحة لِحام).. عبارة (حمّيدنا دا) شقَّت طريقها إلى قلبي وفيه اتكأت واسترخت ثم من بعدُ عبرته على مهلٍ إلى أذني.. فصاحبي ذاك الذي قالها وهو يحاورني وُلد وشبَّ وترعرع في وادي عبقر.. في عُمق سهل البُطانه.. وهدهدته حبوباته بنمَّات الدوبيت وسمع وهو رضيع (الشَّمْ خَوَّخَتْ بَرَدَنْ لَيَالِي الحَرَّه) وسمع وهو وليد يحبو:
عَلِي جِريعْةَ البِنُونٍي وُمِسْكَةْ أًبْ مُحَارْ
لولَحْ راسُو وِتْمَرْعَفْ بَلا السّّحَّارْ
لكنه الآن يهيم عِشقاً بشعر وشاعرية ذاك الذي يسمِّيه مع سبق الإصرار (حميدنا) كنايةً عن اعتزازه به.. وكنايةً عن أن شعر حمِّيد وشموخ حمِّيد كنزان مملوكان على الشيوع لكل أهل السودان.. وكنايةً عن أن حمَّيد كان ضمير أمّة وسيظل كذلك.. وتلك لَعَمري حقيقة لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا من خلفها ولا يستطيع لها نقباً…

قلتُ لصاحبي ذاك وأنا أحاوره: (بل قل إن شعر حمِّيد زي قَصَبْةَ التَّقْنَتْ) ليتّسق القول ويتماهى مع بيئةٍ شكَّلته كما نود وقَوْلَبَتُه كما نهوى ونشتهي وأملت عليه أن يكون شاعراً حين دغدغت أذنيه ووجدانه وهو لـم يزل في الـمهد رضيعاً بأغنيات أصيلة من شاكلة :
التَّمُودي الوَسْطَ الشَّتِل
ياخِي لا رَاسَا بِتِتْوَكِلْ
وحين سمع وهو وليد يحبو :
الجِّزَيْرِي اُمْ بَّحَراً حِمَى
مـــا بِعُومُوها النَّاسْ تِـــمَــا
وسمع :
يا قِشيشِي الزَّارْعُو في السَّابْ
سِيدُو عَجَمِي سِعَايْتُو الكِلابْ
وسمع :
شَــاهِدْ الله إِنْ وَقَفَتْ عَدِيلْ
تَشُوفْ وَشِيكْ في سَاقَــا بي اللَّيلْ
وحين وعى في صباه مغزى :
حتّى الطّيرْ يَجِيها جَعَانْ
من أَطْرَافْ تِقِيهَــا شِبِعْ
وحين سمع ووعى :
الـمِنَفَّل خَالُو بين النَّاسْ وُعَمُّو
وحين كان يقذف (الكَرْكَتَّايي) لتطير وتَرِك وتطير وتَرِك وتطير وترك على سطح سليل الفراديس الذي كان بفعلته تلك يناجيه.
وحين كان يتنفَّس ملء رئتيه عبق (كَلْبيقْ) الجروف.. ويرمي (الجَبِّادي) وهو بكل الأمل والرجاء يهتف (أرررررزق يا رازق) … وحين كان من وراء خِباء يسمع كِبار عشيرته يغنون وهم يتحلَّقون عصراً حول أزيار “تَبَزْبِزْ” :
نِحْنَا مانِي سَكَارَى
مَبْسُوطِينْ بَرَانَا

وزولي الـمَا عِِرِفْلو دِرُوبْ
قُصَادْ مَرَوِي اُمْ بُناياً طُوبْ

والله مِنِّكْ يا زينَبُو
تَمْرِكْ العَجَكّاوِي الحُلُو
وحين كان يرى مساءً على ضوء (الرَّتايِنْ) شخوص وظلال ذات كِبار العشيرة يكشفون اللحى وهم (ينكعون) على أصوات وإيقاعات وِلاد حاج الـماحي وهم يمدحون (عيب شبابي).
ولعله حين كان يرى الأهرامات تسند ظهر نوري وتقول للنيل أنا هنا مثلما أنت، يتساءل: (هل كنّا فعلاً بهذه العظمة؟ وكيف ولِـماذا تبدَّل حالنا من بعد مجدٍ تخلُّفاً واستلاباً ؟؟)… وفي ظني أن ذلك التساؤل أزكى في دواخله لهيب حسرة كابدها على مدى سنيِّ عمره القصيرة وفي معيَِّتها غادر دنيانا حينما لم تعد تشبهه وما عاد يشبهها وهو الذي تكحَّلت عيناه ، أول ما أبصرتا دنيانا ، بخضرة جنائن نوري (العَامْرِي لي مَدَّ البَصَرْ.. يا قِمْرِيي)، فتغنَّى لها وبها طَرِباً وجَذِلاً:
يا جُزُرْنَـــــــا
وُقيفْ عُمُرْنَـــــــا
يا نُشُوقْ رُوحْنَـــا وْدَمَرْنَــــا
يا الـمَحَطَّاتْ الحَنِينَه
القَصَّرَتْ مُشْوارْ سَفَرنَــــا
وهو الذي رسم بـمفردات بيئته الأصيلة توادُد وتراحُم أهله والبساط الأحمدي الـممتد داخل (حيشانهم) وفي أزقّتهم منذ الأزل في هذه اللوحة الأروع :
أنا ماشِي راجِعْ لي بِيُوتْ
تَفْتَحْ لَيْ أدُقْ أو ما أدُقْ
مِنْ غيرْ تَقُولْ الزَّولْ مِنُو
وَلا حَتَّى عَلَّ الدَّاعِي خيرْ
لا مَالَكْ ؟.. الجَّابَكْ شِنُو ؟
لكنه حين لـم تعد تلك البيوت هي ذات البيوت التي ألفتها عيناه وعطنته أصالةً وعزَّاً ، تساءل مشدوهاً وأجاب مغبوناً:
وينا البلادْ أُمْ زينْ
خيراً يَهِزْ وُيَرِزْ ؟؟
الشِّي التَّوَالْفُو العينْ
يا كَمْ فُرَاقُو يَعِزْ
ثم أودع استخفافه بدنيانا في هذه الكبسولة وهو كظيم :
هي الدُّنْيَا كُلَّها كَمْ حَرِفْ
لامِنْ يَطُولْ فيها الأَسَفْ

وهو الذي تشرَّب نُبل وسماحة أهله وأهلي التي قرأتُها في وجه شقيقه الأكبر وأحسستُها في كل كلمة تسللت من قلب ذلك الرجل الخلوق حين جمَّل شاشة إحدى قنواتنا الفضائية وأيقنت ساعتئذٍ أن حمِّيد (إتْرَبَّى تَرْبِيَه صَاحْ.. وُفوقْ عِزُّو خُوجَل ) ولذلك عاش شامخاً لـم يطأطئ رأسه يوماً لغير ربِّ العزَّة والجلال وذهب إلى رحاب ربِّه راضياً مرضياً بعد أن وظَّف روعة البيئة التي شكَّلته كما ينبغي أن يكون التوظيف.. وساعتئذٍ وجدتُ إجابة شافية ووافية لتساؤلي القديم (من أين لهذا الصبي كل هذا الإبداع البديع الـمدهش ؟)..

رحم الله حمّيد وطيَّب ثراه وعطَّر ذكراه وقد أهدتنا سيرته وسريرته وأهدانا إرثه الشعري الفخيم هرماً جديداً أراه بأم عيني واسطةَ عقدٍ بين أهرامات نوري.. عوَّض الله السودان فيه خيراً.. وأعان الله ود بادي وخفيض الصوت الحِبَيِّب وأزهري والقدَّال على حمل الراية و(سَدْ فَرَقَةْ التِّلِبْ اللَّزُومْ) عزيزنا الأعز الذي غيَّبه شريان الشمال وهو يحمل بين الحشا والأضالع شيئاً من حتّى (أرضاً سلاح) وحب الـملايين من (ترابلة) شطآن أنهارنا و(أناقيب) بوادينا الذين بادلوه ويبادلونه حباً بحب..

فخر الدين عبد القادر بابكر
الأراك

التعليقات مغلقة.