التقاطعات الكبرى بين مشروع قرار مجلس الأمن لإنشاء بعثة سياسية ومشروع قانون الكونقرس الأمريكي لدعم الحكم المدني الانتقالي في السودان

12

بقلم: خالد موسى دفع الله

khaliddafalla@gmail.com

تفترض هذه المقاربة نظريا – على مستوى القراءة السياسية- أن مشروع قانون الكونقرس الأمريكي ٦ مارس ٢٠٢٠ لدعم الحكومة المدنية، ومشروع قرار مجلس الأمن ٢٤ أبريل لإنشاء بعثة سياسية، هما في الأصل مشروعا واحدا. يمثل مشروع قرار مجلس الأمن (الوجه الأوروبي) قدمت مسودة مشروع القرار بريطانيا وألمانيا ، تحت مظلة الشرعية الدولية، وقانون الكونقرس (الوجه الأمريكي) ، رغم اختلاف آليات اتخاذ القرار والتشريع بين المستوي الوطني الأمريكي في الكونقرس ومجلس الأمن في المنظمة الدولية. إذ يتوحد المشروعان في اهدافهما الإستراتيجية والسياسية، وتتكامل أدوارهما وتأثيرهما المشترك في رسم خارطة جديدة لمستقبل السياسة والحكم في السودان.
كما أن الموارد المرصودة كما ونوعا لتنفيذ هذا المشروع (الأوروبي) عن طريق مجلس الأمن، و(الأمريكي) قانون الكونقرس، قادرة على انجاز التسوية المرادة على جميع الأطراف السودانية بما يتوفر لهما من موارد مادية هائلة وشرعية اممية ونفوذ دولي، ووسائل تحفيز وإكراه stick and carrots وترسانة تفكير من مراكز البحوث والدراسات والاستشارات القانونية والدولية لصياغة مشروعات التحول والانتقال.
السمة الأساسية لمشروع قرار مجلس الأمن وقانون الكونقرس هو سمة إصلاحية، محاسبية وتحكمية، وإن لبس لبوس الدعم المكمل للجهود الوطنية حسب المزاعم السائدة. إذ يستهدف إعادة بناء وتشكيل مؤسسات الحكم والسياسة وصنع السلام واحتكار التنسيق مع مؤسسات التمويل الدولية ويتمتع بولاية كاملة على العملية السياسية برمتها.
الهدف المركزي لهذا المشروع بوجهيه (الأوروبي والأمريكي) هو زيادة النفوذ الدولي الأجنبي على السودان، leverage من خلال الاجراءات والتدابير والسياسات ورهن إرادته الوطنيه بما يعجزه عن التحرك المستقل وفق مصالحه القومية في الفضاء الدولي، وربط السودان بالمصالح والمواقف الغربية (الأمريكية الأوروبية) في المجالين الدولي والإقليمي. وسيكون السودان بفعل ذلك تابعا دوليا لا فاعلا مستقلا بذاته.
الهدف المركزي الثاني تقديم الدعم والحماية والاستثمار في القوى الليبرالية المدنية التي تمثل مشروع الثورة في الحكم الراهن. وتمكينها عبر الإجراءات والتدابير والدعم الدولي ومحاسبة خصومها (قانون الكونقرس) حتي تنفرد بحكم وتشكيل مستقبل الحكم في السودان لعقود قادمة بالشراكة مع حركات الكفاح المسلح. ويفترض هذا التحليل أن مشروعي القرار والقانون يستبعدان التفاعل السياسي مع المكون العسكري بل هما يضعان حدا لدور العسكر في السياسة السودانية عن طريق مشروع إصلاح أجهزة القطاع الأمني وهو هدف مشترك بين البعثة السياسية وقانون الكونقرس الأمريكي، وكتابة دستور جديد يبعد كليا الجيش عن السياسية ويستنكف ان يعطيه حتي دور حماية الدستور كما يتطلع بعض كبار الضباط.. هذا إضافة للقضاء على المعارضة السياسية وخصوم الكتلة الليبرالية الحاكمة الان تحت فصل العقوبات في قانون الكونقرس لكل من يعرقل عملية الانتقال السياسي.
هذه القراءة لا تنكر التعاون الإيجابي للدول مع بعثات الأمم المتحدة لتحقيق الأهداف الوطنية خاصة للدول الخارجة من النزاعات، ويحق للسودان كدولة عضو في الأمم المتحدة ان يطلب دعم المنظمة لإنفاذ مشروع الانتقال السياسي وتحقيق السلام وحشد الدعم الدولي والاقتصادي. لكن في المقابل فإن التوسع في التفويض الممنوح للبعثة السياسية أثار غبارا كثيفا، وقد استوفت الدراسة السياسية والفنية التي قدمها السفير ومندوب السودان الدائم السابق عمر دهب (البعثة المقترحة على ضوء تقرير الأمين عن البعثات الخاصة) (السوداني ١٣ مايو٢٠٢٠) أنه على ضوء تقرير الامين العام للامم المتحدة بشان بعثات السلام الدولية فإن
انماط البعثات (المساعي الحميدة والوساطة ،لجان الجزاءات، والبعثات السياسية الميدانية) ، وإن ما يتحكم في اختيار نمط البعثة خاصة السياسية الميدانية : ” يعتمد على المطلوبات واحتياجات السلطات الوطنية”. وقال يجب متابعة تعاطي الأطراف المعنية داخل مجلس الأمن والأمانة العامة مع وثيقتي الحكومة السودانية لمجلس الأمن، لأن اختيار طبيعة البعثة وتغيير مهامها تتحكم فيها تقديرات المنشيء للولاية، و” إذا لم تخرج مواقف الأمم المتحدة واستجابتها عما ورد في الوثيقتين”. ولو استبقت الحكومة تقديم هذا الطلب بحوار سياسي مجتمعي عريض وشفاف ربما خففت من غلواء الرفض. لأنه يصعب أن تحقق البعثة اهدافها في ظل استقطاب سياسي حاد، وتنازع وطني عميق وتصدعات كبيرة خلخلت واضعفت تماسك الجبهة الداخلية.
وزبدة القول هنا إنه لا يمكن النظر لمشروع انشاء بعثة سياسية وفقا لقرار مجلس الأمن المرتقب استجابة لطلب رئيس الوزراء ، بمعزل عن قانون الكونقرس الأمريكي، وما صحب ذلك من ردود فعل وطنية، وما أفرزه من حوار ومراجعات ومناظرات قلمية بين فسطاطين. فسطاط جبهة الرفض والمقاومة وفساط جبهة الدعم والمساندة.
وبالتالي يستكمل مشروعي القرار والقانون تمظهرات الموقف الدولي الكلاسيكي وهو ضرورة توافق الكتلة الأوروبية وتوجهات الادارة والكونقرس الأمريكي لتشكيل مستقبل المشهد السياسي في السودان.
يهدف المشروعان (الأوروبي) انشاء بعثة سياسية بقرار من مجلس الأمن و(الأمريكي) قانون الكونقرس لدعم الحكم المدني خلال الفترة الانتقالية لإعادة بناء الدولة السودانية وتشكيل تفاعلات القوى السياسية، وحشد الإرادة الوطنية والموقف الدولي تجاه إنفاذ مشروع الانتقال السياسي تحت قيادة حكم مدني تتحكم في مقاليده القوى الليبرالية الحاكمة، من خلال تطبيق الوثيقة الدستورية وتجفيف النزاعات وتحقيق السلام .
يهدف المشروعان اضافة إلى ذكر أعلاه، إلى تقوية طرف واحد في العملية السياسية بما أسمته (الحكومة المدنية التي تقود الفترة الانتقالية). وإهمال بقية أطراف المعادلة السياسية في السودان.
وحتي نجري مقارنة موضوعية حول التقاطعات والمشتركات بين مشروع قرار مجلس الأمن ومشروع قرار الكونقرس الأمريكي نستعرض اهم ملامح المشروعين ثم نجري المقارنة بينهما.
اولا: مشروع قانون الكونقرس الأمريكي:
أعلن النائب إليوت أيجل رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب يوم ٦ مارس الماضي تقديم مشروع قرار أمام الكونغرس بإسم (قانون التحول الديمقراطي والمحاسبة والشفافية المالية) بالرقم HR6094 للعام
٢٠٢٠. وهو مشروع قانون تم بالتوافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي ويعكس وجهة نظر الكونجرس في مجمل التطورات السياسية في السودان عقب سقوط نظام الإنقاذ.
ويهدف القرار من خلال الإجراءات والتدابير القانونية والتنفيذية الواردة فيه إلى تقديم الدعم للحكومة المدنية والسياسات الإصلاحية خلال الفترة الانتقالية. مع انتهاء تدابير وإجراءات تحدد أولويات المساعدات المقترحة من خلال أولويات دعم النمو الاقتصادي،ومنع وتقليل حدة النزاعات. ويتضمن مشروع القرار حزمة اجراءات لفرض عقوبات موجهة ضد الأفراد كما سيأتي ذكرها لاحقا.
اشتمل مشروع القرار على التدابير والإجراءات التالية:
اولا: تقديم الدعم للحكم الديمقراطي، وإنفاذ حكم القانون وحماية وتعزيز حقوق الإنسان واقامة انتخابات حرة ونزيهة.
ثانيا:دعم برامج التنمية، بما في ذلك خلق فرص اقتصادية للشباب وكذلك للمواطنين في المناطق المهمشة.
ثالثا: دعم السلام والاستقرار وتقليل حدة النزاعات، بما في ذلك تقوية جهود مراقبة وإصلاح أجهزة الأمن والمخابرات.
رابعا: دعم جهود إعفاء الديون من قبل المؤسسات المالية الدولية شريطة وفاء السودان بالشروط والمطلوبات المتعلقة بشفافية الإجراءات وسلامة السياسات المالية.
خامسا: دعم جهود الحكومة في استعادة الأموال المنهوبة.
سادسا: فرض عقوبات على الأفراد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان واستغلال الموارد الطبيعية للبلاد أو المتورطين في تعويق الانتقال السياسي في السودان.
سابعا: يطلب الكونجرس من الإدارة الأمريكية تقديم استراتيجية تنفيذية لدعم الحكومة المدنية خلال الفترة الانتقالية في السودان.

ثانيا: الأهداف الاستراتيجية للبعثة السياسية في السودان:
ورد في مسودة قرار مجلس الأمن (المسودة الأولى) التي قدمتها كل من بريطانيا وألمانيا،
في الفقرة الأولي العاملة أن الأهداف الاستراتيجية للبعثة السياسية في إطار دعم الأنتقال السياسي والحكم الديمقراطي والسلام المستدام ما يلي:
١- دعم جهود الحكومة السودانية لتطبيق الوثيقة الدستورية بما في ذلك المراقبة والتقرير بشأن التقدم المحرز لمجلس الأمن.
٢- تقديم العون الفني لعملية كتابة الدستور ، التحضير للإنتخابات، دعم الإصلاح القانوني والقضائي وإصلاح القطاع الأمني.
٣- دعم عملية السلام.
٤- دعم عملية السلام المرتقبة بموافقة الاطراف، بما في ذلك المحاسبة،العدالة الانتقالية، ومراقبة وقف إطلاق النار،وإعادة التسريح والدمج بالتركيز على مناطق النزاعات في دارفور والمنطقتين.
٥- بناء السلام بما في ذلك حماية المدنيين ، تقوية آليات حقوق الإنسان وحكم القانون.
٦. دعم إجراءات بناء السلام بما في ذلك منع النزاعات القبلية والمصالحات، وجمع السلاح تقوية حكم القانون، وتقديم حلول مستدامة بما في ذلك قضية النازحين واللاجئين.
٧- حماية المدنيين بما لا يتعارض مع جهود الحكومة، ويتضمن ذلك نشر المكون الشرطي، في مناطق النزاعات ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان، والتقرير بشأنها بما في ذلك العنف الجنسي والجرائم المرتكبة ضد الأطفال.
٨- حشد الدعم الاقتصادي والتنموي وتنسيق المساعدات الإنسانية.
٩- دعم وتنسيق التعاون مع المؤسسات المالية والتنسيق الفاعل والمتكامل مع وكالات الأمم المتحدة.
١٠- اتخاذ الإجراءات اللازمة تحت الفصل السابع لحماية موظفي الأمم المتحدة ودورها وأجهزتها ومهماتها وتسهيل وتأمين حركة البعثة وتأمين الموظفين والأفراد.
١١- نشر قوات شرطية لا تتجاوز ٢٥٠٠ شرطي وكتيبة من قوات التدخل السريع خاصة في مناطق النزاعات لحماية المدنيين.
التقاطعات بين مشروعي قرار مجلس الأمن وقانون الكونقرس الأمريكي:
درج الكونقرس والإدارة الأمريكية على إصدار قوانين أو أوامر تنفيذية لدعم أهداف وسياسات وتوجهات الولايات المتحدة في مناطق مختلفة من العالم بما يتسق مع قرارات مجلس الأمن.
مثال لذلك القانون الذي أصدره الكونقرس الأمريكي HR4644 في دورته رقم ١١٦ الصادر في ١١ أكتوبر ٢٠١٩ بشأن دعم الاستقرار في ليبيا وتعزيز الحلول السياسية والدبلوماسية. والمتفحص لفحوي هذا القانون يجده اضافة لتحقيق أهداف وأولويات الولايات المتحدة خاصة محاربة الإرهاب ومنع الحركات المتطرفة استغلال الأوضاع في ليبيا لشن هجمات إرهابية ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، يهدف إلى دعم اهداف البعثة (يونسيل) السياسية الأمنية في ليبيا التي تشارك الولايات المتحدة القناعة وفقا لقرار مجلس الأمن بضرورة الحلول السياسية بين الفرقاء الليبيين. شكل القانون دعما سياسيا كبيرا لمهمة البعثة السياسية الميدانية (يونسيل) بقيادة غسان سلامة في حينها.
إضافة إلى ذلك سبق وأن أصدر الرئيس الأمريكي في ١٩ أبريل ٢٠١٦ أمرا تنفيذيا بالرقم 13726 بشأن ليبيا تتضمن تجميد أصول وفرض عقوبات موجهة ضد بعض المسئولين الليبيين. والأمر التنفيذي الأمريكي صدر أيضا لتعزيز الجهود الدولية . وتقرر الولايات المتحدة في هذا القانون ان الحل السياسي السلمي عبر التفاوض هو ما يخدم مصالح الولايات المتحدة وليس الحل العسكري.
ذكرت فقط النموذج الليبي لإعيد التأكيد أن الولايات المتحدة لا تصدر من الكونقرس
(قوانين) ومن الإدارة (أوامر تنفيذية) تتعارض مع قرارات مجلس الأمن في البلدان ذات الاهتمام المشترك. بل تصدر هذه القوانين والقرارات لدعم اهداف البعثات السياسية الاممية الخاصة بما في بعثات حفظ او بناء السلام تحت الفصلين السادس والسابع.
في ذات السياق قالت نائبة المندوب الدائم للولايات المتحدة في نيويورك شيريث نورمان شاليه في مداولات مجلس الأمن يوم ٢٤ ابريل ٢٠٢٠ لإنشاء البعثة السياسية . وذكرت في تصريحات إن البعثة الجديدة التي تصل الخرطوم في مايو مهمتها دعم رئيس الوزراء وحكومته المدنية، مضيفة أن الدعم سيشمل السلام، الإصلاح الدستوري، الانتخابات وإجراء التعداد السكاني.
إذن يقودنا الجدل النظري لفرضية اساسية وهي أن مشروع قرار مجلس الأمن بعد موافقة المجلس على طلب حكومة السودان في ٢٤ أبريل الماضي لإنشاء البعثة السياسية، ومشروع قانون الكونقرس الأمريكي في ٦ مارس الماضي يعتبران في الأصل مشروعا واحدا وان اختلفت جهات إصداره. فمشروع قرار مجلس الأمن يمثل (الوجه الأوروبي) تحت مظلة الشرعية الدولية، وقانون الكونقرس (الوجه الأمريكي) للمشروع تحت ثقل واشنطون الدولي وخصوصية تأثيرها على القضية السودانية. هذا المشروع الموحد يستهدف إعادة تأسيس وهيكلة الدولة السودانية ، وتقديم الدعم والمساندة للقوى السياسية الليبرالية التي تمثل مشروع الثورة السودانية.
و مشروع قرار مجلس الأمن ومشروع قانون الكونقرس يشتركان في الدوافع والاهداف، ويختلفان قليلا في الوسائل والأدوات.
كما ذكرت من قبل فإن اهم سمة في طبيعة مشروع قرار مجلس الأمن وقانون الكونقرس هو سمة إصلاحية محاسبية وتحكمية. اي ان مخرجاته محددة سلفا بغض النظر عن تعدد وجهات النظر الوطنية.
reformation, accountability, managed and controlled transformation
يشترك المشروعان في تحقيق خمسة أهداف استراتيجية، وتختلف مهمة البعثة السياسية بحكم طبيعة مهمتها الفنية في ثلاثة محاور. ويتميز قانون الكونقرس لتحقيق ثلاثة أهداف ليست من صميم ولاية البعثة السياسية.
وينتظر الكونقرس أن ترفع له الإدارة الأمريكية خطة وبرنامج عمل لتنفيذ الأهداف الواردة في القانون. بما يعني ان الآليات والموارد والوسائل والأدوات التنفيذية سيرد وصفها تباعا في خطة العمل التي سترفعها الإدارة للكونقرس الأمريكي لاحقا.
في الوقت الذي تؤكد فيه مسودة مشروع قرار مجلس الأمن أن الهدف الاستراتيجي الأول هو تقديم الدعم وانقاذ الوثيقة الدستورية. وهي وثيقة سياسية وطنية بين شريكي الحكم (الحرية والتغيير والمجلس العسكري). في مقابل ذلك يركز قانون الكونقرس على تقديم الدعم للحكم الديمقراطي وحكم القانون وحماية وتعزيز حقوق الإنسان.
سكت القانون الأمريكي صراحة عن تقديم عون قانوني لعملية كتابة الدستور بالصورة التي نص عليها مشروع قرار مجلس الأمن ضمن هدفه الأسمى في الإصلاح القانوني والقضائي. في المقابل نص قانون الكونقرس على دعم حكم القانون وحماية وتعزيز حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي. لكن حسب تجارب العون الفني السابقة في مجال كتابة الدستور فإن المؤسسات القانونية الأوروبية هي الأكثر تفاعلا وارتباطا بعملية الإصلاح القانوني خاصة معهد ماكس بلانك الألماني الذي قدم برامج متنوعة للتدريب والعون الفني في مجال الإصلاح القانوني وكتابة الدستور، وكذلك معهد كلينغندال الهولندي. ولعل المعني الخفي للإصلاح القانوني هو موائمة التشريعات الوطنية مع الصكوك الدولية لحقوق الإنسان بما في ذلك ازالة القوانين الإسلامية خاصة إسقاط مادة الردة في القانون الجنائي وإسقاط حكم الإعدام بما يتوافق مع البرتوكول الإضافي للحقوق السياسية والمدنية. ورحب المجتمع الدولي في هذا الصدد بالتعديلات القانونية بما يسمي العقوبات المهينة للمرأة الواردة في القانون الجنائي وقانون النظام العام. وتجريم ختان الإناث.
خصص قرار مجلس الأمن انفاذ مطلوبات الإصلاح القضائي وهو ما سكت عنه قانون الكونقرس. وتعتبر القضائية سلطة مستقلة عن الجهاز التنفيذي، ولا شك أن إصلاح القضاء هو مهمة وطنية وسيادة بإمتياز ، سترك التدخل في شأنها وإصلاحها بواسطة بعثة سياسية أممية ندوبا في جسدها المنهك للاستقطاب الحاد ومحاولة إخضاعها القسري لنفوذ وسلطات الجهاز التنفيذي أو الدائرة القانونية للحاضنة السياسية للحرية والتغير.
يشترك المشروعات في هدف إصلاح القطاع الأمني والمخابراتي. وقد سبق وأن عبرت مدير وكالة المخابرات المركزية في مقابلته لرئيس الوزراء عبدالله حمدوك أثناء زيارته إلي واشنطون رغبة أمريكا في التعاطي المباشر في عملية إصلاح المنظومة الأمنية. وترغب واشنطون في هذا الصدد أن تجد تعاونا أكثر في مجال مكافحة الإرهاب وهي احد محاور شروط التطبيع بين البلدين. وهناك تسريبات قوية ان قوات التدخل السريع المقترحة ضمن مهام البعثة السياسية ستشتمل على مكونات ووحدات قوية لمكافحة الارهاب. سيما وأن قيادة (الافريكوم) الأمريكية التي تنشط في ستة محاور في افريقيا جددت اهتمامها بمنطقة التقاطعات بين ليبيا والقرن الأفريقي لمنع انتشار الحركات الارهابية، ومنع أي تحالف بين الشباب في الصومال وداعش في ليبيا وبوكو حرام في نيجريا والمحيط الأفريقي. ويمثل السودان احد أضلاع المثلث لمكافحة الإرهاب في هذه المنطقة.
في الوقت الذي تختص فيه البعثة السياسية بعملية إدارة التعاون والتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية وحشد الدعم التنموي والاقتصادي الدولي، أشار قانون الكونقرس أن الولايات المتحدة ستساعد على تطبيع العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية وأشترطت لعملية إعفاء الديون وفاء السودان بمطلوبات شفافية السياسات والاجراءات المالية. وتعني واشنطون مصادقة السودان على بعض الاتفاقيات الدولية منها منع غسيل الأموال ومكافحة الفساد وتمويل الأعمال الإرهابية وغيرها. أخر من الاجراء وجود ضعف فني واضح في البنك المركزي يستلزم الدعم والمعالجة.
ويتفق المشروعان مرة أخرى على دعم عملية السلام، لكن تتحمل البعثة السياسية أعباء تنفيذ الترتيبات الأمنية في فصل القوات، وتحديد أماكن التجمعات والتسريح والدمج وجمع السلاح وغيرها. وكذلك إيجاد معالجات جذرية ومستدامة للنازحين واللاجئين.
ولا شك أن تحقيق السلام يحتاج إلى التأثير والنفوذ الأمريكي لإقناع أطراف التفاوض بإجراء التنازلات اللازمة من أجل السلام وان تكون واشنطون ضامنا دوليا لإتفاقيات السلام المرتقبة.
لم يذكر قانون الكونقرس أي دور لواشنطون لحماية المدنيين أو نشر قوات شرطية أو عسكرية، وهي مهمة خالصة للبعثة السياسية.
يتميز قانون الكونقرس بأهداف ومهام ليست من اختصاص البعثة السياسية وهي:
أ. استرداد الأموال المنهوبة.
ب. فرض عقوبات موجهة ضد الأفراد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان أو استغلال الموارد الطبيعية أو تعويق عملية الانتقال السياسي.
ج. ربط برامج التنمية بتوفير فرص اقتصادية للشباب ومواطني الهامش.
يقول الدكتور الدرديري محمد أحمد وزير الخارجية السابق في مقاله المنشور تحت عنوان (قراءة في مشروع البعثة الاممية في السودان) المنشور في (السوداني الدولية ١٥ مايو ٢٠٢٠ )
:”سبق ان نبهنا ان اصلاح القطاع الأمني هو بيت القصيد. بل قلنا ان الدافع الرئيس وراء استقدام البعثة هو الاستجابة لانشغالات الفصائل المسلحة المتعلقة بالدعم السريع، كما اوضح لاكروا مساعد الأمين العام للأمم المتحدة نقلا عن حمدوك في اكتوبر ٢٠١٩، هذا من جهة. ومن جهة اخرى تهيئة القوات المسلحة للانتقال من مرحلة الشراكة إلى مرحلة الاقصاء الكامل عند انتقال رئاسة المجلس السيادي للمدنيين”.
انتهي تعليق د. الدرديري.
إضافة إلي ما ذكره د. الدرديري أن المقصود بالإصلاحات الأمنية إقصاء المكون العسكري خاصة الدعم السريع حسب انشغالات وشكاوي حركات الكفاح المسلح، فإن قانون الكونقرس قرر فرض عقوبات على ما أسماه منتهكي حقوق الإنسان ومن عمل على استغلال الموارد الطبيعية في السودان لمنفعته وتحقيق الثراء الشخصي. يأتي هذا التحديد لتصويب النظر والاتهام لقوات الدعم السريع التي شاع عنها استثمارها في قطاع الذهب قبل تقنين الامر بواسطة وزارة المالية مؤخرا.
ويصبح الامر الأكثر ازعاجا للقوى السياسية خارج منظومة الكتلة الليبرالية الحاكمة هو فرض عقوبات على أسماه القانون بالمعوقين للإنتقال السياسي الدينقراطي، وهو يشمل قوى سياسية وحركات مسلحة. وهو هدف فضاض لا يمكن ضبطه وإلا بتعريفات دقيقة ومعيارية شاملة. لكنها في كل الأحوال تبقي سيفا مسلطا على رقبة القوى السياسية المعارضة لمشروع الحرية والتغيير في الحكم.
خلاصة القول في هذا المضمار ، أن مشروع قرار مجلس الأمن لإنشاء بعثة سياسية وقانون الكونقرس الأمريكي لتقديم الدعم للحكم المدني والانتقال السياسي يعتبر مشروع مارشال سياسي (أوروبي، أمريكي) في قلب افريقيا. إضافة لتقديم الدعم للحكم المدني الذي شرحناه سابقا . فإنه يهدف إلى أحداث تغييرات جذرية في بنية السياسة السودانية، من خلال تمكين الكتلة الليبرالية الحاكمة من مقاليد السلطة لعقود قادمات، وإنهاء دور العسكر في السياسة السودانية، واخضاع المنظومة الأمنية لعملية إصلاحية جذرية تشمل ضمن اشياء أخرى اعادة صياغتها وتغيير عقيدتها القتالية، وخضوعها للقيادة السياسية المدنية، وإشراك الحركات المسلحة في دورة الحكم رغم ان المشروعين سكتا عن مهام دعم الحركات لإكمال التحول من مليشيات مقاتلة إلي حركات سياسية مدنية تؤمن بالتبادل السلمي للسلطة عن طريق التنافس الديمقراطي.
اهم أهداف أصلاح المنظومة الأمنية، هو نزع التوجهات العدائية ضد دولة إسرائيل والتي فرضتها طبيعة التدريب وتراث المواجهات القديمة باعتبار ان اسرائيل عدو مركزي للسودان.وتوجهات العقيدة القتالية والتربية الوجدانية والصياغة المعنوية للجندي السوداني. وهو ما يكمل مشروع التعاون والتطبيع السياسي الذي بدأ بمقابلة البرهان نتنياهو في عنتبي بيوغندا. وإدخال السودان التدريجي في تسويات صفقة القرن.
و يبقي السؤال: هل القوى الليبرالية الحاكمة الان لديها القدرة والأفق السياسي والتماسك الداخلي لإنفاذ مشروع التحول الديمقراطي والتحكم في مقاليد الحكم والسلطة لعقود قادمات؟
لعل التحدي الأول لهذه الكتلة هو تحدي بنيوي، بمعني هل هي كتلة ليبرالية حقيقية تقوم على منظومة قيمية وثقافة سياسية راسخة على مبادئ الديمقراطية الليبرالية، ام انها مسوح وقشور ليبرالية على مستوي الشعارات والريطرويقيا ولا تعبر عن قناعات وثقافة متجذرة؟ سيكون ذلك على المحك عندما تبدأ اجراءات التحول الديمقراطي الحقيقي وإنشاء وبناء المؤسسات وترسيخ جذور الثقافة الديمقراطية، وكذلك قدرة هذه القوى على التماسك الداخلي والعبور بالفترة الانتقالية إلي التطلعات المنشودة.
هذا ما ستجيب عليه الايام، فقد اكتملت أركان الدعم الخارجي من خلال مشروع قرار مجلس الأمن بإنشاء البعثة السياسية وقانون الكونقرس لدعم الحكم المدني والانتقال السياسي، لكن هل القوى السياسية قادرة على إدارة تحديات الفترة الانتقالية والبناء الديمقراطي حتي لا تتكرر الدورة الخبيثة في تاريخ السودان الحديث مرة اخري؟
وهل ستساعد على إنشاء معارضة سياسية ناضجة ومسئولة تتقيد بالدستور ، أم تحاصرها بالاجراءات التعسفية وتسيس العدالة وتتركها نهبا لعقوبات قانون الكونقرس تحت ظلال اتهامات تعويق الانتقال السياسي؟.
هناك بصيص أمل إذا ارتقت النخبة السودانية لمهام المسؤولية الوطنية والحس التاريخي. لكن تهزمها شواهد التاريخ التي تضعف مصداقية النخب في التصدي لمهام البناء الوطني الكبيرة.

التعليقات مغلقة.