الرأسماليَّة الطفيليَّة أسُّ البلاء والابتلاء

9

علي تولي
الحكومة الانتقالية وُلِدتْ مِنْ رَحِم الثورة العظيمة ولكن أصابتها تشوُّهاتٌ كثيرة، أولها الهيمَنة العسكريَّة السافرة والمتجاسرة بكل صَلَفٍ واسْتِعلاء بوضع نفسها في أعلى مناصب الدولة، متغوُّلة آمرة ناهية لا متناهية، فكان أول وجودها القسري استبدال البشير بـ(أب نعوف) ثم جاء تفسير الماء بالماء ضحكاً على الذقون بتبديل ابن عوف بـ(البرهان) وإعلان تكوين المجلس العسكري بامتلاك الجيش لكامل السلطة والسيادة التي لم ينفك الشعب عن تبعاتها والتي تشكل امتداداً لسياسة (البشير) وبقاء أمنه، كأنما يجسِّد مخططات عراب انقلابهم المشؤوم (الترابي) في ما يعرف بالحكومة الخالفة.. وفرضت نفسها بتغوُّلِها على الوثيقة الدستورية، فضمنت لديها الكثير من الصلاحيات، ممارسة الضغوط على الحاضنة السياسية التي أفرغت عن محتوى أن تكون حاضنة فعلية، بانسحاب خيرة أعضائها، وظلَّ العسكرُ يدورون على محاور أساسية تؤرق مضجع قادتهم وهي جرائم الإبادة ومجزرة القيادة، واستئثارهم بكبرى شركات الاقتصاد، ولم يعد لمجلس الوزراء دور كبير وفق ما يجب أن يضطلع به من مهام تنفيذية وقرارات نافذة، فظلَّت الرأسماليَّة الطفيلية هي المستحكِم الأول والأخير في اقتصاد البلاد، وهذا ما قام عليه أسُّ البلاء والابتلاء في اقتصاد البلاد في عهدهم البائد، وببقاء العسكر تظلُّ هذه السياسة في التحرير السلعي دون ضابط لها ولا رابط، وتعويم الجنيه السوداني الذي تكالبت عليه الأصفار تلو الأصفار على يمينه المشلول، وما نراه من صفوف من أجل البقاء، والعجز في جميع أوجه الحياة، هو ارتهان الاقتصاد في أيدي قِلَّة ظلت تستحكم حلقات تضييقها على المستهلك، فطال الخراب الاقتصادي حياة العاملين وخدمات الصحة والتعليم والمواصلات والكهرباء والماء. وكانت سبباً مباشراً في استفحال الجريمة من نهب وسلب وسطو في وضح النهار واحتيال، وتفشي المخدرات، التي أساس انتشارها متنفذين في السلطة والأمن.
إننا اليوم استبشرنا بخروج السودان من الدول الراعية للإرهاب، وندري أن السودان سيحتضن الكثير من شركات الاستثمار الخارجية، وهذا ما يتطلب وضع أسس ممنهجة وفق قانون يخلص الوطن والمواطن من مغبَّة تلاعب المسؤولين عن الاستثمار في العهد البائد وسماسرة الاستثمار، وضياع العديد من الهكتارات والموارد العظيمة، وتضييع حقِّ المواطن في العمل واستغلال المنتج.
إنَّ بقاء الرأسمالية الطفيلية هو مدعاة لضياع الديموقراطية بين يدي الشعب الثائر على الظلم، وسيعيد إنتاج الحرب، وسيادة المفاهيم القبلية والعنصرية؛ ومبعثاً لمزيد من تشظي المجتمع وخلق أزمات اقتصادية لا يعلم مداها إلا الله، ومظاهر تجارة البشر، وهروب الكفاءات تلو الكفاءات، وازدياد المخدرات ونشاط التجارة فيها.
الشعب لم يلمس من قادة الانتقالية إلا بعض البصيص الذي يبرق أثناء مؤتمرات لجنة التفكيك.. بل مازال يحسُّ وطأة النظام المُباد وقبضته الرأسمالية التي مازالت ترهق كاهله، ويسهر جرَّاها مغموماً ومهموماً، تتآكل صحته خطاه بين الصفوف محفوفاً بمخاطر الجوع والفقر والمرض والجهل وانعدام سبل الحياة الكريمة.
يعرف الجيش ثكناته وحدود مهامه، ولكن هؤلاء القادة تحملهم جرائمهم على هذا الاستئثار بالسلطة لنَهْنَهَةِ خيال المحاكم والمحاسبة وهشِّ طنين التلويح به الذي ستظل تلاحقهم أشباحه ليل نهار.. وتحدوهم الغفلة والأطماع وهم يدورون في فلك ثلة الرأسمالية الطفيلية.. وغداً لناظره قريب.. وللشعب ربٌّ سينصره.

التعليقات مغلقة.