دراما السودان

20

 عبد الحليم قنديل

بعد مرور عامين على نشوب ثورة السودان الأخيرة في 19 ديسمبر 2018، فلا صوت يعلو على صوت أزمات الاقتصاد الخانقة في الخرطوم، وهو ما يدفع الحكم الانتقالي القائم إلى نشر انطباع بأنه حقق إنجازا مدويا، حين أصدرت حكومة واشنطن قرارها قبل أيام، ورفعت اسم السودان رسميا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وهو ما قد يسمح بإعادة دمج السودان في النظام المالي العالمي، وجذب تحويلات ملايين السودانيين في الخارج إلى البنوك، وجلب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين الوضع البالغ التدهور، إضافة لبعض المعونات الأمريكية العينية والمالية، ربما كمكافأة على اتفاق تطبيع عقد أخيرا بين السودان وكيان الاحتلال الإسرائيلي.
وربما انطوت أفراح الحكام السودانيين، سواء في المجلس السيادي برئاسة الجنرال عبد الفتاح البرهان، أو في الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، على مبالغات في تقدير وزن وأثر القرار الأمريكي، فإدارة ترامب التي صنعت صفقة المقايضة، ذاهبة مع الريح في 20 يناير المقبل، موعد تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، ولا تزال المعلقات باقيات في علاقة الخرطوم بواشنطن، حتى في المسألة المتصلة بتداعيات وادعاءات الإرهاب، فلم تعط الحصانة كاملة بعد لإدارة السودان الجديدة من الملاحقات، ولا تزال دعاوى قضائية أمريكية منظورة ضد السودان، على الرغم من دفعه لتعويضات بلغت 335 مليون دولار، يعتبرها المدعون الأمريكيون غير كافية، مقابل إنهاء اتهام السودان بالتورط في تفجيرات إرهابية في افريقيا عام 1998، بل جرّت إضافة قضايا جزافية غير مسبوقة، تتهم السودان أمام المحاكم الأمريكية، بالتورط في تفجيرات 11 سبتمبر عام 2001، وتطالبه بدفع 4 مليارات دولار تعويضات للأسر الأمريكية المتضررة، استنادا إلى «تشريع جاستا» الأمريكي، الذي يتيح فرصا قضائية لاتهام السودان إلى جوار السعودية وإيران.
بافتراض إمكانية التوصل لحلول وسطى، من نوع اقتراح ترامب الذاهبة أيامه، خفض مبالغ التعويضات المطلوبة من السودان إلى 800 مليون دولار، وهو ما لا يستطيع السودان توفيره بسهولة، فوق كونه استمرارا لمسلسل الابتزاز الأمريكي، يتواضع بمنسوب أحلام حكام السودان الحاليين، الذين يريدون فتح الباب لإعفاء السودان كليا أو جزئيا من ديونه الخارجية البالغة 60 مليار دولار، هي بعض تركة ثلاثين سنة من حكم المخلوع عمر البشير، أورثت السودان انفصالا لجنوبه، وفقدانا لنحو ثلاثة أرباع حقوله البترولية، وخسارة لعوائدها بالعملة الصعبة، وانهيارا في قيمة الجنيه السوداني، الذي تدنى إلى أكثر من 260 جنيها مقابل الدولار الواحد، مع شلل شبه كامل في نظام الخدمات الأساسية، وعجز متفاقم عن توفير الاحتياجات اليومية الضرورية، كالخبز والوقود، وارتفاع فلكي في الأسعار، وصل بمعدلات التضخم إلى ما يزيد سنويا على 250%.

وقد يؤدى قرار رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب إلى انفراج محدود، لا يخفي الطابع الابتزازي للقرار الأمريكي، وكونه مصمما لتحقيق أهداف أخرى، تريد جر السودان إلى دائرة النفوذ الإسرائيلي المتسع في المنطقة، فاتفاق التطبيع يبدو عاما وأوليا إلى الآن، فلم يتم تبادل علاقات دبلوماسية كاملة بين الخرطوم وتل أبيب إلى اليوم، ولا يزال الاتفاق نفسه بانتظار اختبار جدي، حين يجري عرضه على «مجلس التشريع الانتقالي» الذي جرى الاتفاق على تكوينه في الوثيقة الدستورية الحاكمة، وكان مقررا تشكيله قبل نهاية عام 2019، ومن 300 عضو، تحوز «قوى الحرية والتغيير» ـ قائدة الثورة ـ على أكثر من ثلثيهم، ويحرم من عضويته حزب البشير المخلوع، وحلفاء البشير من «الكيزان» حسب التعبير السوداني الدارج، في إشارة إلى جماعة الإخوان وأخواتها، وهو تصور لم يتم تنفيذه بعد، فمحاكمات البشير لم تنته، ولا يزال الخلاف ظاهرا حول تسليمه لمحكمة الجنايات الدولية، وهو ما يصر عليه قادة الحركات المسلحة الخمس، الذين وقعوا اتفاق سلام «جوبا» مع حكام الخرطوم، ناهيك من حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد نور وغيرهم، الذين لم ينضموا بعد إلى اتفاق السلام، ولا يكتفون بإجراءات توزيع السلطة والثروة المتوافق عليها، وكل هؤلاء يريدون طبعا مشاركة بنصيب الربع على الأقل في المجلس التشريعي الانتقالي، إضافة لمطالب المشاركة بنسبة أكبر في الحكومة، وهو ما دفع البرهان إلى تشكيل ما سماه «مجلس شركاء المرحلة الانتقالية» الذي يضم ممثلين للحركات المسلحة الشريكة في اتفاق السلام، في ما بدا أن حكومة حمدوك تعارضه، بدعوى عدم النص عليه في الوثيقة الدستورية، وسط خلافات متصاعدة بين أطراف جبهة «قوى الحرية والتغيير» وانسلاخ بعضها، مع انشطارات وانشقاقات متوالية في «تجمع المهنيين» دينامو الحركة الأساسي في شهور الثورة، وكلها عقبات تعطل عملية تشكيل مجلس التشريع، في مرحلة الانتقال الممتدة حسب الوثيقة الدستورية إلى نهايات عام 2022، المقرر أن تجري عندها انتخابات عامة، تقود كما هو مفترض إلى «دولة برلمانية تعددية لا مركزية» حسب نص وثيقة الاتفاق بين العسكريين والمدنيين شركاء الثورة الأخيرة.
وبالطبع، فلا أحد يجادل في الحيوية السياسية الهائلة للشعب السوداني، وقد تعددت ثوراته منذ استقلال السودان أول يناير 1956، واستطاع خلع ثلاثة نظم حكم عسكرية قمعية، بثورات 1964 و1985 و2019، لكن فترات الحكم المدني بعد الثورات كانت قصيرة العمر، سنتين قبل انقلاب إبراهيم عبود، وخمس سنوات بين حكمي الجنرالين عبود وجعفر النميري، وأربع سنوات بالكاد قبل حكم الجنرال البشير، مدعوما بإخوان حسن الترابي، بينما كانت أغلب سنوات السودان المستقل الخمس والستين تحت حكم الجنرالات، مع عدم وجود فوارق إيجاب ظاهرة لصالح نظام بعينه، ومع آلام لم تتوقف طوال الوقت في حروب أهلية شرسة، بلغت ذروة اتساعها وضراوتها في سنوات البشير الثلاثين، وراح ضحيتها الملايين قتلا وتشريدا، في ما بدا كوباء متصل مهلك، قد ينتهي بالشروع في اتفاقات سلام أخيرة، لم تكتمل بعد، ومن دون الوصول لجواب نهائي عن صيغة الحكم الأمثل للسودان، البلد فائض الغنى بموارده الطبيعية، وفائض البؤس بأقداره السياسية، فما من بلد في المنطقة، أغنى بموارده من السودان، الذي كان الأكبر مساحة عربيا وافريقيا، قبل ضياع ربعه بانفصال الجنوب، ثم صار في المركز الثالث من حيث المساحة، بعد الجزائر والكونغو الديمقراطية افريقياً، وبعد الجزائر والسعودية عربياً، وصارت مساحته أكثر من مليون و 800 ألف كيلومتر مربع، وبعدد سكان معقول يجاوز الثلاثة والأربعين مليونا، لديهم موارد مياه النيل والأمطار الموسمية الكثيفة، ومخزون وافر من البترول والذهب والمعادن النفيسة، وإطلالة كبرى على البحر الأحمر، وجوار ممتد لسبع دول، وكل ذلك وغيره، جعل السودان مطمعا لآخرين، شاركوا بنشاط في إشعال حروبه الداخلية المدمرة، ومن وراء دعاوى التناقض بين عناصر «العروبة» و»الزنوجة» رغم أن أغلب أهل السودان يدينون بالإسلام، وبين الإسلام والتعريب صلات «عروة وثقى» عملت أطراف خارجية على تفكيكها، وساعدتها أطراف داخلية، أثقلت التسامح والتنوع السوداني بتشدد طبعات وخطابات وتفاسير صحراوية وسياسية للإسلام، جرى التخفف منها جزئيا بعد الثورة الأخيرة، لكن مشهد الختام لم يستقر بعد، رغم التوافق المتعثر على حكم انتقالي عسكري ومدني معا، ربما من غير ضمان لدوام الانسجام، ولا وصوله المأمون إلى غايته، فقد تكون «اللامركزية» المتوافق عليها من الحلول المناسبة لحكم السودان، لكن التخوف يظل قائما من المصائر «الفيدرالية» الواردة، وتجاربها المؤلمة عربياً وافريقياً، فقد كانت أسهل وصفة لإضعاف وإفناء الدول، وعلى نحو ما جرى للعراق، وما جرى ويجري في إثيوبيا المجاورة للسودان، والمرشحة لنهايات التفكيك اليوغسلافي، وما لم تتوازن أي «فيدرالية» قامت أو تقوم في السودان، مع سلطة اتحادية مركزية قوية جامعة، قد يكفلها النظام الرئاسي أكثر من البرلماني، ما لم يكن التوازن الدقيق ممكنا، سواء بحكم مدني أو عسكري أو مختلط، مع تفضيل الحكم الديمقراطي طبعا، ما لم يحدث التوازن المحكم، فربما يعود السودان إلى مرابع التيه والعجز من جديد، وتكرار الخيبات التي لا تنتهي، والفشل المزمن في تنمية البلد فائق الثراء بموارده الأولية، فليست القصة في إعادة دمج السودان بالنظام المالي الدولي، ولا في معونات تأتي وتتبخر، ولا في صلاح وأمان نسبي بالتعددية الضامنة للتنوع، بل أصل القصة في توفير حكم قوي وديمقراطي معا، يبلور شخصية وطنية أكثر تجانسا، ويقود عملية تنمية زراعية وصناعية كبرى، تنهي دراما البؤس والعوز متكرر الحلقات، وتحول السودان إلى بلد غني ومتطور كما يستحق.

القدس العربي

التعليقات مغلقة.