الزول بونسو غرضو والصحافة كذلك

26
حيدر المكاشفي
المثل الشعبي السوداني يقول (الزول بونسو غرضو)، ومؤدى المثل أن الانسان عند الحديث معه يحتاج لمخاطبته حول ما يشكل عنده هماً كبيراً، والصحافة وأجهزة الاعلام كافة تحتاج كذلك ممن يتحدث عنها أن يحادثها بأكبر همومها، وأكبر هموم الصحافة وأجهزة الاعلام المختلفة اليوم هو ضعفها الشديد من الناحية المادية الذي يكاد أن يقضي عليها بالضربة القاضية.. ولكن السيد وزير الثقافة والاعلام فيصل محمد صالح في حديثه الأخير عن الصحافة تحدث عن كل شيء يخص الصحافة ما عدا أكبر وأخطر همومها وهو اقتصادياتها المتهالكة.. الوزير تحدث بحماس عن قانون الصحافة الذي تجري الاستعدادات على قدم وساق لإعداده، وتحدث كذلك عن التدريب وأهميته وعن حق الحصول على المعلومات و(بس خلاص) على رأي الفنان الشعبي المصري الراحل شعبولا.. وبالطبع هذا حديث يحمد للوزير فما أشار اليه من موضوعات هي بلا شك من شواغل الصحافة التي تحتاجها بشدة، غير أن ما يؤخذ على الوزير هو تجاهله عمداً أو سهواً عن أكبر وأهم شواغلها الآنية، فآخر ما تحتاجه الصحافة الآن هو القانون الذي قال عنه الوزير انهم منكبون بحمية وحماس لإجازته ووضعه موضع التنفيذ، فالصحافة اليوم كما يعلم الوزير بوصفه من أبناء الكار أن أكثر ما تحتاجه الصحافة وبأعجل ما أمكن هو منحها قبلة الحياة لإنقاذها من موت محقق يتهددها ويتحلق حولها، ولكن للأسف بدلا من أن تسعى السلطة لانتشالها وانقاذها واعانتها لتجاوز محنتها الاقتصادية لإبقائها على قيد الحياة، اذا بها تكرس جهدها للقانون والتدريب، والمفارقة العجيبة هنا هي أن الحكومة حين تنجح فيما تجتهد لتحقيقه بإجازة قانون للصحافة وآخر للمعلومات ومصفوفة للتدريب، مع ترك الصحافة في حالها المزري هذا، حينها لن تجد الحكومة صحيفة في هذا البلد لتطبق عليها قانونها المزمع، ولن تجد كذلك صحفيا لتدربه، وسيصبح ذلك من النوادر التي ستوثقها الموسوعات الراصدة لعجائب الدنيا وغرائبها (وجود قانون لشيء غير موجود)..
إن أولوية الصحافة اليوم قبل الغد يا سادة هي في حلحلة هذه الأزمة التي ضربتها في لحمها الحي وعمودها الفقري، وليست في قانون جيدا كان أو سيئا، ثم من بعد أن تتجاوز محنتها التي تهددها في أصل وجودها، يمكن بعد ذلك الحديث عن قانون وتدريب وخلافه، إذ بغير الوصول لحلول حول هذه الأولوية القصوى، قل على الصحافة الورقية السلام فمن الاستحالة استمراريتها في ظل تقاعس الدولة عن دعم الصحافة كخدمة مجتمعية لا غنى عنها لأية دولة، فهذه الأوضاع تجعل من أي قانون للصحافة بلا قيمة أو معنى، والدولة تملك ما يمكن ان تدعم به الصحافة والوزير خير العالمين بذلك ولا يحتاج للتذكير به، ولن نبرئ الصحافة من مسؤولية الركود الذي ضربها، فللصحف نفسها كمؤسسات الكثير من المثالب والنقائص التي تنتقص من أدائها كما ينبغي أن يكون، وكنتيجة طبيعية لهذا النقص يتناقص قراؤها يوما بعد آخر، صحيح أن عدة اعتبارات موضوعية أسهمت في هذا التناقص الواضح في مقروئيتها، ولكن مشكلة الصحافة أنها لم تواجه هذا التحدي بما يواكبه من تطوير في شكلها ومحتواها، كما أنها لا تهتم بإجراء البحوث التسويقية التي توضح توجهات القراء واتجاهاتهم ومجالات اهتمامهم، ومن أهمية مثل هذه البحوث أنها تعرف الصحيفة على جمهورها كما تمكنها في آن معا من العمل على جذب جمهور جديد واضافي لصفها، وتجدر الإشارة في هذا الصدد الى أن صحافتنا تفتقد تماما لفرص التدريب على أفضل الأساليب في الإدارة والتخطيط والتسويق، والأسس العلمية لتقييم وتقويم إنتاجية وأداء العاملين، فالصحافة مثلها مثل أي سلعة أو منتج يحتاج ترويجها لمثل هذه المهارات، ولا ننسى في الختام تذكير الناشرين بضرورة تأسيس كتلة لشراء الورق من المصانع العالمية رأسا، إذ إن الورق الآن يباع للصحف بأسعار عالية جدا، ويا حبذا لو توافقوا وتواضعوا برضائهم لإعادة هيكلة صحفهم باندماج بعضها بهدف خلق صحف ذات إمكانات قوية من ناحية القدرات البشرية والمالية والتسويقية.

التعليقات مغلقة.