ماذا جنت المرأة السودانية خلال الفترة الانتقالية؟

9

منى عبد الفتاح
على الرغم من أن المرأة السودانية دخلت مجال العمل السياسي مبكراً وحققت نجاحاً كبيراً في عدد من المجالات، فإنه بسبب بعض العوامل، منها طول فترة نظام الإنقاذ الحاكم السابق الذي رسّخ قهر المرأة ومارس التمييز بناءً على الانتماء إلى نظام الإخوان المسلمين، ثم مارس تفرقة داخلية بعد المفاصلة بين النظام وحسن الترابي، ضد المنتميات إلى حزب المؤتمر الشعبي، أسست أرضية صلبة أثرت في دور المرأة بمجلس السيادة والوزراء ومجلس شركاء الحكم الانتقالي، الذي شاركت فيه امرأة واحدة هي مريم الصادق المهدي في منصب الناطقة الرسمية للمجلس.

وقد أثار إعلان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إنشاء هذا المجلس جدلاً واسعاً لإحاطته بجوّ من الخلاف بين أعضاء “الانتقالي” بشقّيه المدني والعسكري من جهة، ومتابعين رأوا أنه سيحوز صلاحيات مخالفة للوثيقة الدستورية المنظمة للحكم بعد إسقاط عمر البشير. ووسط هذه التحفظات، تردد الحديث عن وضع المرأة في الحكومة الانتقالية عموماً، إذ توجد أربع سيدات في مجلس الوزراء، وسيدتان فقط في مجلس السيادة.

واقع التغيير

أتاح التغيير السياسي الذي أحدثته ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 واقعاً جديداً على الحركة النسائية في السودان، استلزم مراجعة مشاركتها ووضع رؤية استراتيجية، تمكّنها من الاستفادة من مناخ الحريات الذي انتزعه الشعب بفئاته المختلفة بعد ثلاثين عاماً من الحكم الشمولي، الذي كانت المرأة أبرز ضحاياه. وفي ما يلي، آراء عدد من الناشطات السودانيات حول مكاسب وخسائر المرأة خلال الفترة الانتقالية.

تقول إحسان فقيري، الناشطة في مجال حقوق المرأة والقيادية في الحزب الشيوعي، إن “اختيار مريم المهدي وهي المرأة الوحيدة في المجلس، جرى من خلال محاصصات حزبية وطبقية، وكان الأولى بحزب الأمة أن يدفع بسيدة من الحزب لا تنتمي إلى بيت المهدي، أو أن يكون هناك تمثيل نسوي من أحزاب أخرى”.

وتضيف، “ليس لدى مجلس شركاء الحكم من الصلاحيات ما يخوّله سحب صلاحيات قوى الحرية والتغيير أو إقصاء المرأة، والعملية برمّتها هي محاولة من العسكر للاستيلاء على السلطة. ولهذا السبب، يفترض أن كل من تفانت من النساء في العمل السياسي واحتملت القمع طوال 30 عاماً وصولاً إلى إشعال الثورة، أن لا تقبل بأن تكون من عضوية هذا المجلس حتى لو أتيحت لها”.

وتردف، “ارتبطت الحركة النسوية في السودان منذ بداياتها في الأربعينيات بالحركة الوطنية والسياسية، وهي نتاج أفكار نهضوية بدأت منذ عشرينيات القرن الماضي مع انتشار التعليم الحديث الذي كانت بذرته عام 1907 على يد بابكر بدري، مما أسهم في فعالية مشاركة المرأة. لكن، حدثت نكسة مارستها الأحزاب التقليدية، مثل الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة، إذ لم تكن المرأة ضمن برامجها السياسية، أما بقية الأحزاب، فاتخذت المرأة كآلية لإنجاح الحزب من دون برامج تخصّها”.

قراءة جديدة

وترى فقيري أنه “يجب أن تكون هناك قوة ضغط من النساء داخل أحزابهن، باعتبارهن جزءًا أصيلاً من الصراع السياسي، أي لا يكون هناك رضوخ لسياسة الحزب الذي لا يأخذ قضايا النساء ضمن صميم مهماته حتى تشارك من خلال عملية التغيير المجتمعي. وعلى الأحزاب أن تعيد قراءة الخريطة السياسية الجديدة، لأن أصحاب المصلحة الحقيقيين هم النساء والشباب. ومثلما عمل نظام الإنقاذ من قبل على إخفاء النساء، فإن قوى الحرية والتغيير تمارس السياسة ذاتها من خلال الإقصاء والمحاصصات السياسية وعدم الانفتاح على الجماهير، خصوصاً الشباب والمرأة”.

أمّا في ما يمكن أن يمثّله ذلك من تهديد لعملية التحول الديمقراطي، فذكرت فقيري أن “خطورة ذلك على الفترة الانتقالية بأنها قد تنقضي من دون تأسيس للمستقبل السياسي للنساء اللائي يمثلن نصف المجتمع وغالبية نسبة السكان. وهذا الإقصاء لن يكون من مصلحة الأحزاب التي مع تكلسها، فإنه لا بد من وجودها بشرط أن لا تحصر النساء في مصالحها الحزبية الضيقة، حتى تتمكّن من الإسهام في عملية الديمقراطية الحقيقية. وتأسيس ذلك يبدأ بإلغاء القوانين التي فرضها الإنقاذ لإبعادهنّ”.

تمثيل متواضع

في المقابل، توضح الكاتبة الصحافية مزدلفة محمد عثمان أن “التمثيل المتواضع للمرأة في مجلس شركاء الفترة الانتقالية أحدث حالة من الصدمة في كثير من الأوساط السودانية، إذ حظيت بمقعد واحد من مجموع 29، توزّعت بين شركاء الحكم وهم الجبهة الثورية والمكون العسكري في مجلس السيادة وقوى الحرية والتغيير، علاوة على رئيس مجلس الوزراء. وهو ما بدا مناقضاً لما كان يدور خلال الفترة التي سبقت تكوين هذا المجلس ذي الصفة التشاورية، إذ حملت التسريبات إصرار المسؤولين على أن يكون تمثيل المرأة فيه مقدّراً، هي التي لعبت دوراً محورياً في الثورة التي أطاحت حكم البشير”.

وتضيف عثمان، “منذ تسلم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك منصبه، ظل يؤكد أن دور المرأة في الحكومة سيكون فاعلاً، وسيجري تمثيلها بما يليق. لكن ذلك لم يحدث، لأن القوى المعنية بترشيح الأسماء لتولّي المقاعد، وهي تنظيمات منضوية في تحالف قوى الحرية والتغيير لم تدفع بأي مرشحات. وهذا ما حمل حمدوك خلال تشكيله حكومته في أغسطس (آب) 2019 على إعادة ترشيحات تلك الأحزاب إليها، ويعمد إلى اختيار طاقمه متضمناً عدداً من الوجوه النسائية، هنّ وزيرة الخارجية السابقة أسماء محمد عبدالله ووزيرة الرياضة ولاء البوشي ووزيرة العمل والتنمية الاجتماعية لينا الشيخ، إضافة إلى وزيرة التعليم العالي انتصار صغيرون.

وتتابع، “على الرغم من هذه المواقع المهمة، فإن ذاك التمثيل لم يكن مرضياً، باعتباره لا يتناسب مع ما بذلته آلاف النساء وصولاً إلى نجاح الثورة، وتُتوقّع معالجته لاحقاً بما أقرّته الوثيقة الدستورية من أن تمثيل المرأة في المجلس التشريعي (قيد التكوين) سيكون بنسبة 40 في المئة”.

المشكلة في الأحزاب

وترى عثمان أن “المثير في الأمر هو أن القوى ذاتها التي شاركت في هذا المجلس وظلت تؤكد التمثيل العادل والمتساوي للنساء في مقاعد السلطة لم ترشح أيّاً من الأسماء النسوية ليحصلن على مقاعد، باستثناء حزب الأمة الذي دفع بنائب الرئيس مريم الصادق المهدي، واختيرت لاحقاً متحدثة باسم المجلس”.

وتردف، “المشكلة تكمن في الأحزاب نفسها التي يعاني معظمها غياب الدور النسوي التنظيمي الفاعل داخلها، بما يخلق قيادات مؤهلة للتنافس والتقدم صوب المناصب الرئيسة. وبنظرة سريعة نجد أن غالبية الأسماء في المراكز الحالية غير منتميات إلى تنظيم حزبي بشكل مباشر، وإن كانت لبعضهن خلفيات سياسية”.

وتستكمل، “مع ذلك، فباستطاعتنا القول إن المرأة السودانية تمكّنت خلال السنوات العشر الأخيرة من أخذ مقعدها في الحياة العامة على نحو مقبول، والتنافس على مراتب متقدمة في عدد من المجالات المهنية والأكاديمية، وارتفعت نسبة الوعي بحقوقها وقضاياها، وهي عوامل في مجموعها من شأنها تعزيز دورها وإسهامها الكبير في التحول الديمقراطي”.

معركة مقبلة

من جهتها، ترى تهاني عباس، عضو منظمة “لا لقهر النساء”، أن “ما حدث في السودان بعد عودة النظام السياسي التعددي والتغيير الاجتماعي ينبغي أن يقابله تبدّل في الواقع السياسي للمرأة، ليعبّر عن هذه التحولات بتشكيل حركة واسعة تتواءم مع استعادة الحريات”.

وتضيف، “تمثيل سيدة واحدة في مجلس الشركاء المكون بعد توقيع اتفاق جوبا لسلام السودان وفقاً للمادة 80 من الوثيقة الدستورية مقابل 28 رجلاً ليس عادلاً بكل تأكيد، لكنها خطوة للأمام. وبشكل عام، لم تحقق الفترة الانتقالية آمال المرأة السودانية، ولم تلبِّ طموحاتها وتطلعاتها”.

وتشير عباس إلى أنه “ما زلنا نأمل في أن ننتصر بمعركة المجلس التشريعي، أي حصولنا على نسبة ما لا يقل عن 40 في المئة في كل هياكل السلطة لا في المجلس التشريعي فقط، وذلك بحسب ما نصّت عليه الوثيقة الدستورية، خصوصاً بعد توقيع اتفاق جوبا. ومع أن المرأة مسجلة في قواعد وقيادات الأحزاب السياسية، فإنها لم تستطِع تشكيل هذه الكتلة الحرجة في عضوية الأحزاب، مما جعل تعيينها في المناصب الحزبية أو الحكومية رمزياً، الهدف منه الإيحاء بأنه لا يوجد تمييز ضد المرأة”.

تعزيز الدور

وتعرب عضو منظمة “لا لقهر النساء” عن أملها في أن ينصلح حال المرأة السودانية بتوقيع اتفاقية “سيداو” والمصادقة عليها، وعلى بروتوكول موبوتو (الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب)، وإصلاح النظام القضائي وتعديل وإلغاء القوانين التي تنتهك كرامة المرأة وإبطال تلك التي تحجر على ممارسة المشاركة السياسية لفئات اجتماعية عريضة، تعدّ المرأة من أهمها.

وتؤكد أن “وجود نساء من حركات الكفاح المسلح ومن النازحين واللاجئين يتيح الفرصة لأن يكون التغيير نحو التحول الديمقراطي مرتبطاً بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتغيير البنية القانونية لضمان المساواة الاجتماعية الكاملة لجميع النساء بمختلف مواقعهن الاجتماعية والطبقية، وسد الفجوة النوعية بمشاركتها في كل مستويات الحكم والسلطة كخطوة لتعزيز دورها في المجتمع”.

اندبندنت

التعليقات مغلقة.