الدور الأميركي في المستقبل السوداني

ملفات اقتصادية وسياسية عدة تفرض على واشنطن والخرطوم مساراً إجبارياً في علاقتهما

16

 

تحليل – أماني الطويل

شكلت العقوبات الأميركية على السودان التي امتدت 27 عاماً دوراً كبيراً في التفاعلات الداخلية في الخرطوم، واتجاهات السياسات الخارجية طوال هذه المدة، حيث اتجهت شرقاً لكل من الصين وماليزيا. وساعدها في الصمود ضد منظومة العقوبات على الصعيدين السياسي والاقتصادي ظهور البترول، ما مكّن نظام البشير من الاستمرار ثلاثة عقود كاملة، ولم يتجه إلى الضعف والاضمحلال إلا مع استقلال جنوب السودان، فحُرم الموارد اللازمة لتوفير متطلبات المعيشة الأساسية للسودانيين وتأمين نظامه.

ومع رفع العقوبات الأميركية عن السودان تتبلور بيئة سياسية جديدة، ويكون التساؤل المُلح عن مدى التأثير الأميركي في المستقبل السوداني، ومدى قدرة الخرطوم على صياغة سياستها الخارجية بين أطراف دولية متنافسة انطلاقاً من أراضيها بالنظر إلى أمرين، الأول هو الموقع الجيوسياسي سواء على البحر الأحمر أو القرن الأفريقي، أو كونها همزة وصل بين شرق وغرب أفريقيا، فضلاً عن الموارد الطبيعية والتعدينية الكبيرة، التي تشكل مطمعاً لأطراف دولية عدة، خصوصاً الصمغ العربي الذي استُثني أميركياً من العقوبات طوال فترة العقوبات، وذلك بالنظر إلى أنه مكون أساس في مشروب الكوكاكولا.

مساعدات فورية
قد يكون من المفهوم التدافع السوداني في هذه المرحلة نحو الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً أنها وفرت مساعدات فورية للسودان في أعقاب قرار الكونغرس برفع عقوبات بلغت نحو المليار دولار. كما أن وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين سوف يزور السودان الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني)، حيث سيناقش الوضع الاقتصادي والمساعدات التي ستقدمها أميركا للسودان. وتشكل مسألة فك تجميد الأموال السودانية لدى الولايات المتحدة، فضلاً عن تقديم بنك الاستيراد والتصدير الأميركي ضمانات للمستثمرين الأميركيين من القطاع الخاص في السودان، التي قد تصل إلى مليار دولار كخطوة أولى قابلة للزيادة.

ومسألة تسوية ملف الديون السودانية أمر أساس في هذه المباحثات، التي وصلت نسبها إلى معدلات الخطر بإجمالي 60 مليار دولار، أي أعلى من الحدود الاسترشادية، فبلغت 166 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. من هنا ربما تكون الخطوة الفورية للحكومة السودانية هي التفاوض لخفض ديونها.

في هذه المرحلة نادي باريس هو أهم الدائنين 37 في المئة، في حين أن 51 في المئة تمثلها مؤسسات متعددة الجنسيات، إلى جانب 14 في المئة نسبة ديون القطاع الخاص. وربما ما يدعم السودان في هذه العملية التفاوضية أن أصل الدين الحقيقي نحو 17 مليار دولار، بينما نحو 37 ملياراً منها عبارة عن فوائد وجزاءات، بسبب العجز عن دفع الديون في موعدها.

كما أن السودان مدان بملياري دولار أميركي لصندوق النقد الدولي، وهو ما يجعل القروض ملفاً أساساً في التفاعلات السودانية الأميركية. ومن المنتظر أن تُسهم القروض المطلوبة من جانب الحكومة السودانية، المقدرة بـ12 مليار دولار، في حال الحصول عليها في تحجيم الانخفاض الجنوني للعملة المحلية.

المكون المدني يراهن على أميركا

أما على الصعيد السياسي، فإن المكون المدني في المعادلة السياسية السودانية يراهن على دعم أميركي، لتحجيم اتجاهات نظيره العسكري، حتى يكون فاعلاً سياسياً مؤثراً في التوازنات الداخلية خلال المرحلة الانتقالية، أو أن يدعم قدراته لوصول أحد رموزه إلى سُدة الحكم في المرحلة ما بعد الانتقالية، سواء بتطورات درامية يعرفها السودان تاريخياً، أو عبر هندسة المنظومة الانتخابية للوصول إلى النتيجة ذاتها.

وفي هذا السياق تقوم الجالية السودانية في واشنطن بالتفاعل المباشر مع الكونغرس، في محاولة لدعم المكون المدني، خصوصاً في ضوء تغول العسكري على القطاع الاقتصادي للدولة، إذ حول قطاع الاتصالات مثلاً بعد سقوط البشير إلى ولايته، وهو الأمر الذي يحاول مقاومته رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وأعلن مرتين أن وزارة المالية في حكومته لا تسيطر إلا على 18 في المئة فقط من عوائد الشركات العاملة في كل القطاعات الاقتصادية.

وأجاز مجلس النواب في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي بأغلبية ثلثي الأعضاء تشريعاً يدعم الانتقال الديمقراطي في السودان، من شأنه إنهاء سيطرة الجيش على الشركات الاقتصادية العسكرية وإجباره على تسليمها إلى الحكومة. ومن المنتظر التصويت على هذا القانون في مجلس الشيوخ، ليوقع عليه الرئيس الأميركي.

وألحق قانون التحول الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية المالية لعام 2020، وسيُحال مشروع القانون إلى الشيوخ للتصويت على الرغم من عدم وضوح موقف أعضائه من الجمهوريين بهذا الشأن. وينص قانون دعم السودان اعتباراً من مارس (آذار) 2020، على تخويل الرئيس الأميركي تقديم المساعدة من أجل “تعزيز سيطرة الحكومة المدنية على أجهزة الأمن والمخابرات والتأكد من أن هذه الأجهزة لا تسهم في استمرار الصراع في السودان أو الحد من الحريات المدنية لجميع الناس في السودان”.

كما نص مشروع القانون على أن جهود الولايات المتحدة لإعادة هيكلة وإلغاء ديون السودان (بعد رفع اسمه من قائمة الإرهاب) لا بد من أن تسبقها إفادة من الرئيس الأميركي تتضمن اتخاذ الخرطوم الخطوات المطلوبة تجاه الشفافية المالية للمؤسسات الاقتصادية العسكرية، التي تتضمن وجود الرقابة المدنية على أموال وأصول الأجهزة العسكرية والأمنية، وميزانية هذه القوات، والكشف عن أسهم المؤسسات العسكرية في جميع الشركات العامة والخاصة وتحويلها إلى وزارة المالية أو أي جهاز مستقل، يخضع لسيطرة الحكومة المدنية. وربما تكون أهم مواد القانون هي “إنهاء أي تدخل للأجهزة الأمنية في قطاع التنقيب والموارد المعدنية، بما في ذلك البترول والذهب”.

ومن المفترض طبقاً لنص القانون أن يقدم الرئيس الأميركي في سبتمبر (أيلول) 2021 تقريراً للكونغرس عن مدى التقدم المحرز على هذا الصعيد، كما سيُحدد الأفراد والكيانات التي ترتكب انتهاكات مخالفة لهذا القانون وتعيق الانتقال الديمقراطي في السودان.

وبطبيعة الحال لن يلبي هذا القانون في حال إقراره النهائي من الكونغرس تطلعات المكون المدني السوداني فقط، لكنه سوف يوفر أيضاً بيئة مناسبة للتدفقات الاستثمارية الأميركية في كل قطاعات الاقتصاد السوداني، بينما ترى إسرائيل الموقعة اتفاقاً للتطبيع مع السودان، أن الاستثمار في القطاع العسكري أولاً قد يكون هو المدخل الأكثر تأثيراً والبوابة الصحيحة لكل القطاعات الأخرى، وهو سلوك إسرائيلي معروف في كل أنحاء القارة الأفريقية.

تقاطعات المصالح

من هذه الزوايا الاقتصادية والسياسية مجتمعة سوف تشكل علاقة الخرطوم بالولايات المتحدة مساراً إجبارياً، يجعل الوزن والتأثير الأميركي في دوائر صناعة القرار السودانية مهماً، خصوصاً مع ما نعرفه عن خلفية وخبرات رئيس الوزراء وعدد من وزراء الحكومة التي تكونت في المنظمات الغربية أساساً.

ولعل هذا الوزن الأميركي سيكون مهدداً للصين أكثر من أي طرف آخر، وذلك في ضوء تقاطعات المصالح الأميركية الصينية، حيث تعلم بكين أن هذا المسار قد يكون مؤثراً على امتيازاتها في السودان، خصوصاً في قطاع البترول، الذي أسهمت تاريخياً في نموه وتقدمه.

من هنا حاولت الصين وقبيل قرار رفع العقوبات الأميركية بسويعات أن تستبق التدافع الاستثماري المتوقع تجاه السودان بعقد اتفاقات جديدة مع الخرطوم مطلع ديسمبر، وذلك في عدد من مربعات التعدين لاستكشاف المعادن، مع شركة “وان باو”، فضلاً عن مشروع توسعة مصفاة الخرطوم، الذي تتشارك الصين ملكيته مع الحكومة السودانية.

وأكد السفير الصيني أن بلاده تتجه إلى مزيد من تطوير العلاقات مع السودان، وزيادة حجم الاستثمارات خصوصاً في مجالي الطاقة والتعدين، لافتاً إلى توجه بلاده إلى دعم الاستثمارات الصينية لقطاع الأعمال الخاص للدخول في عديد من مشروعات النفط والكهرباء والتعدين، طالباً من الحكومة قائمة بالمشروعات المقترحة.

ولا تقتصر تقاطعات المصالح الأميركية على الصين فقط، لكنها أيضاً مع روسيا التي حصلت على قاعدة عسكرية في ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، كما أن لها وجوداً عسكرياً في دولة أفريقيا الوسطى المتاخمة للسودان. حيث كان القرار السوداني في ما يبدو لنا بهدف دفع واشنطن لتسريع إجراءاتها لرفع العقوبات عن السودان الخاصة بقائمة رعاية الإرهاب، وأيضاً الحصول على كامل الحقوق السيادية للدولة.

على أي حال إذا كان ثمة احتياج سوداني مُلح للولايات المتحدة الأميركية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي على المدى القصير، في جعل الدور الأميركي مركزياً في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع امتلاكها عوامل إقليمية فاعلة ومؤثرة، مثل إسرائيل وبعض دول الخليج. لكن، تبدو فرص السودان غير معدومة في التوازن بين الأطراف الدولية متقاطعة المصالح، بل ربما يكون هذا التقاطع مصدراً لجني مصالح سودانية متعددة الاتجاهات نختبرها في الفترة المقبلة.

اندبندنت

التعليقات مغلقة.