روعة القاهرة في التسعينيات وجمال الخرطوم في الستينيات

3

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

مزمل فزع
عدت  إلى مصر وتحديدا إلى العاصمة القاهرة في مايو ١٩٩١، بعد خروجي من السودان على عجل، بعد إقصاء من الدراسات العليا وإحالتي إلى الصالح العام ضمن الآلاف من أبناء وبنات السودان في الخدمة المدنية، وتم ختامها بالاعتقال في عهد الإنقاذ.
تزامن مع قدومي في تلك السنين، وصول أعداد كبيرة من السودانيين، المفصولين للصالح العام سواء في الخدمة المدنية أو القوات النظامية، الفارين من الاعتقالات والتعذيب، الطلاب الفارين من الخدمة الإلزامية بعد أن تحولوا إلى وقود في الحرب المستعرة بين الشمال والجنوب، مجموعات كبيرة من الصحفيين والكتاب والإعلاميين، الفنانين التشكيليين، المطربين والمطربات، الممثلين والممثلات، العازفين، المادحين، أصحاب مهن وحرف مختلفة، سياسيين محترفين وهواة، مجموعات أخرى نسبة للظروف الاقتصادية واعتبروا القاهرة محطة للانطلاق إلى أي جهة أخرى أو توطين أنفسهم للاستقرار فيها، ستات عرقي وستات شاي، حنانات، دجالين ومحتالين.
قالت السلطات المصرية وقتها إن العدد تجاوز الثلاثة ملايين. وأعلن الشهر العقاري إحصائية بأن الذين تملكوا شقق في القاهرة في عام ١٩٩١ وحدها نحو مائة ألف سوداني، معظمهم من التجار والمغتربين وبعض الذين باعوا أملاكهم في السودان وفضلوا الاستقرار في مصر، إضافة إلى أعداد كبيرة من المغتربين في أنحاء العالم فضلوا قضاء إجازاتهم في القاهرة للسياحة أو لغرض علاج بعض أفراد أسرهم.
إنتقلت المعارضة السودانية لنظام الإنقاذ، بكامل فصائلها السياسية، النقابية والعسكرية في تلك الفترة إلى القاهرة، مع وجود سوداني مكثف من جالية سودانية قديمة ومتجددة.
وقتها كانت السلطات المصرية تسمح للسودانيين بالإقامة فيها دون قيد أو شرط، حتى أتت محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في إثيوبيا في عام ١٩٩٥ وقتها بدأت السلطات المصرية تضع بعض العراقيل للقادمين الجدد، في تلك الفترة تفهمت السلطات المصرية بأن هناك أزمة حقيقية في السودان، فكان الالتحاق بالمدارس بالنسبة لأطفال هذه الأسر متاح، وظلوا يتلقون تعليمهم مثلهم ومثل أبناء الشعب المصري، حتى الطلاب والطالبات الذين فضلوا الالتحاق بجامعة القاهرة الأم بعد أن صادرت السلطات السودانية جامعة القاهرة فرع الخرطوم وتحويلها إلى جامعة النيلين، سمحت لهم السلطات المصرية، بتكملة ما تبقى لهم من سنين، بالإضافة إلى أعداد أخرى من الطلاب والطالبات في معظم الجامعات والمعاهد العليا المصرية يواصلون دراستهم.
كانت الحكومة المصرية تستفيد أيضا من هذا الوجود السوداني في مصر من ناحية العملة الأجنبية التي تأتي لهؤلاء القادمين من أقاربهم في السعودية ودول الخليج أو من دول العالم المختلفة، إضافة إلى هروب الكثير من رؤوس الأموال السودانية واستقرارها في البنوك المصرية، وقد نشطت أيضاً في تلك الفترة تجارة العملة الصعبة وهروبها عبر كل المنافذ قادمة من السودان لتدخل في البنوك المصرية دون قيد أو شرط.
أتت كل هذه المجموعات عبر كافة المنافذ، عبر المطارات والموانئ وبعضهم بالطرق البرية و بالدواب، وآخرين سيراً علي الأقدام، بعضهم يحملوا وثائق وبعضهم دون وثائق سفر، دخلوا جميعهم مصر المؤمنه آمنين.
وقتها دبت في القاهرة حركة وحراك سوداني لم يحدث من قبل، أصدرت صحف دورية، مجلات، وتكونت منظمات حقوقية وجمعيات واتحادات مختلفة، ودب نشاط الندوات السياسية والأدبية، ليالي شعرية، عرض مسرحيات، ورش عمل ثقافية وسياسية واجتماعية، جلسات استماع لمطربين ومطربات سودانيين، حفلات غنائية عامة وخاصة، حلقات ذكر لكثير من الطرق الصوفية في مسجد سيدنا الحسين، والسيدة زينب، سيدنا مرسي أبو العباس في إسكندرية، سيدنا البدوي في مدينة طنطا ومساجد وضرائح كثيرة ومتفرقة في أنحاء مصر، استمتعنا وطربنا بالمدائح النبوية من مادحين وسالكين لطرق صوفية مختلفة، في تلك الفترة اختلطت طرق الإنشاد المصري والسوداني سواء في المدائح النبوية أو في حلقات الذكر، في سيدنا الحسين، السيدة زينب وكافة المساجد، الضرائح والمزارات.
استمعنا عن قرب في تلك الفترة للأستاذ وردي، مصطفى سيد أحمد، الموصلي وسيف الجامعة بصفتهم مقيمين معنا في تلك الفترة، وهذا خلاف للمطربين والمطربات الآخرين بين رحلة الذهاب والإياب بين القاهرة والخرطوم.
زارني وقتها أحد أقربائي قادما من دولة خليجية في إجازته السنوية، إبتدأ يومه الأول في إجازته بحضور فعالية سياسية في دار الحزب الاتحادي بالقرب من حديقة الميرلاند، والذي كان مفتوحاً لفعاليات المعارضة السودانية، وبعدها استمع إلى جلسة فنية تخللتها قراءات شعرية، وذهب معي إلى حضور حضرة محضوره لمولد المصطفي صلى الله عليه وسلم، ثم ختم يومه بالسهر في حفلة فرح لاحد معارفنا في القاهرة، تغني فيها عدد من المطربين والمطربات تم كل ذلك في يومه الأول من إجازته، قال لي بعد نهاية اليوم وبعد تنهيدة من أعماقه، هذه الأجواء الموجودة في القاهرة الآن، تذكره بالستينيات وأوائل السبعينيات بالخرطوم عندما كانت الخرطوم في عهدها الذهبي.
كانت تلك الفترة مليئة بالقصص والمواقف بطرفها وحزنها، تشكلت وتعمقت صداقات قديمة متجذرة ومعارف جديدة ممتدة إلى هذا اليوم.
تكدست القاهرة وبعض مدن مصر الأخرى بإعداد كبيرة من السودانيين، غالبيتهم يودون أن تكون مصر محطة تنقلهم إلى أي دولة في العالم، تتيح لهم العمل والاعتماد على أنفسهم ومساعده اهلهم في وطنهم المختطف، أو أن يجدوا الكسب الحلال وفرص عمل في مصر، نجح الكثيرين في العبور إلى دول أخرى ونجح البعض في إيجاد مصدر رزق في مصر، وتعثر البعض الآخر.
كانت المعارضة السودانية في وضع محرج ويدها مغلولة في أن تقدم مساعدة لهذه الهجرة الكثيفة، تقدم الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة القومي بما لديهم من علاقات بالسلطات السعودية، وتم التفاهم بينهم وبين سفارة المملكة في القاهرة، بإن يسمح لابناء وبنات السودان في الحصول على تأشيرات عُمْره، في كشوفات بصورة دورية، وقد كانت العمرة من مصر إلى السودانيين قبل ذلك من الصعوبة، وظل الحزبان يقومان بهذه الخدمة لكل أفراد الشعب السوداني، وبعد أداء العمرة، على المعتمر أن يكيف أوضاعه بمعارفه من المقيمين في المملكة، وإيجاد إقامة عمل أو الاستعداد للعودة مرة أخرى إلى السودان، وكأنك يا زيد ما غزيت.
في نهاية ١٩٩١ساقت الأقدار امرأة إلى شقتنا في القاهرة، أتت لتبحث عن ابنها الذي انقطعت أخباره عنها، بحثنا معها، لنجد أن ابنها قد فارق الحياة قبل أسابيع من وصولها، نتيجة لحدوث هبوط بعد أن باع كليته لأحد مواطني دولة خليجية، لنكتشف لأول مره أسرار المكاتب والسماسرة الذين يمهدون ويقدمون التسهيلات للذين يبيعون هذه الأعضاء من أجسادهم المنهكة مقابل المال، واذكر بعد هذه الحادثة، كتب الشاعر دكتور محمد بادي قصيدة عصماء في هذا الشأن، سألته عن هذه القصيدة عندما زارنا في لندن من عام ١٩٩٩ وكعادته وعدني أنه سوف يبحث في أوراقه عنها بعد عودته إلى الامارات، ولم يوف بوعده، وفي ظني أن الشيخ الحسين إذا اجتهد لوجد لنا هذه القصيدة، لانه رافق دكتور بادي في تلك الفترة سكناً وطوافاً، اضافة إلى ذاكرته المتقده.
إزاء كل هذه الزيادة لأعداد السودانيين القادمين إلى مصر التي تتصاعد يومياً، تم الضغط على الأمم المتحدة بواسطة السياسيين الموجودين في القاهره وعلى رأسهم الاستاذ فاروق أبو عيسى وآخرين، لفتح إعادة توطين لهذه الأعداد، وبدأت مكاتب المعارضة في حصر الاسماء وكان هذا في نهاية عام ١٩٩٣ وبعدها غادرت القاهرة في مايو ١٩٩٤ وتركت الأوضاع كما هي.
عدت مرة أخرى إلى القاهرة في اغسطس من عام ١٩٩٨ بعد غياب امتد إلى أربع سنوات متتالية، لأجد أن مطار القاهرة صار وكأنه في أرض السودان، من كثرة أعداد السودانيين من مغادرين ومودعين في انتظار الدور، في بعض الأيام تقلع أربع طائرات في اليوم الواحد مخصصة للسودانيين وجنسيات أخرى موجودة في مصر، أوضاعها متماثلة لبلادنا، وان كانت أعدادهم لا تذكر مقارنه بأعداد السودانيين المغادرين على هذه الرحلات، بما يعرف ببرنامج إعادة التوطين، معظم من تم اعادة توطينهم توجهوا إلى امريكا، كندا، استراليا وهولندا، مع وجود أعداد أخرى تم توطينهم في دول أوروبية أخرى لم تكن القاهرة لوحدها، فقد كانت هناك محطات أخرى في إثيوبيا، كينيا وأوغندا بصورة ثابتة، خلاف آخرين هاجروا من دول عربية وإفريقية أخرى، في أكبر عملية تهجير قسري يتعرض لها أبناء وبنات السودان في تاريخهم الممتد.
لم تنقطع زياراتي إلى مصر طيلة السنين الماضية والي الشهور الماضية، ملاحظاتي أن الأعداد القادمة في تزايد مستمر، وكثيرون من أبناء السودان وجدوا فرص عمل وبدأوا في منافسة المصريين، وهناك الكثير من المحلات التجارية لأبناء السودان ومقاه منتشرة يديرها ويشرف عليها سودانيون، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الطلاب والطالبات يواصلون تعليمهم في الجامعات المصرية ويتم قبولهم بدفع رسوم رمزية.
هذه المقتطفات قصدت منها أن نكف عن خطاب الكراهية الذي يبثه بعض الكتاب سواء من مصر أو السودان، علاقات الشعوب ممتدة وتظل باقية رغماً عن المكايدات السياسية والانطباعات الشخصية.
وعلى حكومات البلدين أن تدخل في مشاريع ذات فائدة لهذه الشعوب ومراعاة مصالحهم المشتركة، بدل بالزج بنا في صراعات وتقاطعات غير مفيدة لشعوب وادي النيل.

التعليقات مغلقة.