2 يوليو 1976 عروس الثورات _____________ الحلقة :الثانية بقلم : عبدالله الشريف عبدالرحمن الهندي

10

——————-
استطرادا لما توقفنا عنده في الحلقه السابقة نواصل في نقل هذه الصورة العجيبة من داخل صحراء مترامية الاطراف تنظر العين ولا ترى غير الرمال الممتدة بلا حدود اللهم إلا خط الافق الذي يفصل السماء عن الارض فيصير لونان فقط لون الرمال الصفراء ويلتقي بلون السماء الزرقاء شاملا ذلك جميع الاتجاهات حيث تنعدم الحياة تماما فلا نبات ولا شجر ولا انسان ولا حيوان ولا طائر يطير بجناحيه ولا من يمشي علي ارجله .
كم اهلكت هذه الصحراء قبل ذلك من بشرا تاهوا فيها فابتلعتهم رمالها وان كان البشر قبل ذلك ممن يتوهون في الصحراء فيموتون عطشا من طبقات دنيا في المجتمع عمال أو مهاجرين أو رعاة يسوقون إبلهم فإننا نجد الآن وعلي خلاف العادة هذه المرة في الصحراء احد كبار الزعماء وارث جاه ومال وعز من ابيه ما كان اغناه عن الوقوع فى مثل هذه الحالة وهو الذي كان يملك الدنيا بالوراثة والكسب الشخصي ان يكون في هذه اللحظة عايشا في قصر من القصور منعما ومرفها ولكنها الوطنية ومعارك استرداد الديمقراطية من براثن النظام المايوي الانقلابي.

تركنا الشريف حسين الهندي كما ذكرنا ملقى علي الرمال والآلام الفظيعة كما روى يشعر بها في ظهره وحزن وألم شديد في قلبه علي رفاقه الذين يرقدون صرعى من حوله وقد فارقوا الحياة فكان حزنه عليهم يمزق نياط قلبه وتفكيره في مصير القوة الضاربة(سلاح الردة) التي كانوا في عجل للحاق بها ومصير الحركة كلها كان يشغل تفكيره رغما عن كل شئ.
اما ما كان من مصير سلاح الردة فسنتركه لنكتب عنه لاحقا لنواصل الحديث كيف انقذت الاقدار الشريف حسين الهندي مع العلم لم تكن في ذلك الزمان الهواتف المحمولة وليس له اي وسيلة للإتصال لا بالقوة التي يريد اللحاق بها ولا بالسلطات الليبية المتعاطفة مع هذه الحركة الثورية فكان من عناية الله ان كانت طائرة العقيد ابوبكر يونس وزير الدفاع الليبي ذلك الرجل الصديق الوفي للمعارضة السودانية والصديق الشخصي للشريف حسين الهندي عائدا ادراجه علي طائرة هليكوبتر لوداع القوة وهي تشق طريقها عبر الصحراء الي الخرطوم
فرأي وهو علي طائرته العربة المحطمة فتسأل في نفسه انه لابد ان تكون هذه العربة تابعة لقوة المعارضة السودانية فهبط بطائرته علي الموقع فكان هذا سبب نجاة الشريف حسين الهندي فأخذه بطائرته الي داخل ليبيا.

قال لنا الشريف حسين حينما حملوني الي داخل ليبيا كنت محمولا وأنا لا استطيع الجلوس ولا القيام وكنت مستلقي مثل حالتي هذه وبالمناسبة كان يحكي لنا أنا وابن عمي صديق الشريف عبدالرحيم من داخل احد الشقق السرية في لندن التي لا يقربها إلا شخصين فقط في حدود علمه المرحوم سراج عباس كنين والمرحوم عبدالرحيم عبدالسلام رحمهما الله وهما الاثنان من ام سنط بالجزيرة .

كان في احسن حالاته ونادرا ما نجده عليها فعادة ما يكون مرهقا من جراء المقابلات الكثيرة والجلسات الطويلة ولكن هذه المرة وهو يرتدي البجامة الافرنجية مستلقي علي سريره يقول لنا أنا كنت في مثل هذه الحالة مستلقي واشعر بآلام فظيعة وبما انه لم يكن يتأوه من الألم فلم يشعر الاخرين بانه متألم فأعتقدوا انه حالته نفسية فقط ذكر لنا اسم دكتور سوداني نسيت اسمه أتمني ان اجد احد يعرفه
قال هذا الطبيب اعطاني مرهم لأمسح به ظهري ولكن لما طال مكوثي علي هذه الحالة وقد جافيت الأكل والشرب فحملوني وسافروا بي الي مستشفي كبير في فرنسا وما ان دخلت المستشفي فأخذوا صور اشعة للظهر تفاجأ الطبيب مفاجاءة كبيرة جدا وهو يكاد لا يصدق ما يراه في الصوره فأخذ صورة ثانية فأتضح له لدهشته ان هناك شقوق في سبع سلاسل في الظهر وأنها قد بدأت في الإلتئام طبيعيا فأندهش وهو لا يعرف تفسيرا علميا لما يراه وهو يستغرب جدا لعدم حدوث الموت وعلي الأقل الشلل التام في الجسم ثم أن المريض لا يبدو عليه الشعور بالألم ثم الدهشة للإلتئام الطبيعي .
قال الطبيب للشريف حسين سأدفع لك مالا ودعني ادرس طلبتي علي هذه الحالة الغريبة طبيا فقلت درسهم لله ورسوله والمؤمنين ولا اريد منك مالا.

قد يكون القارئ في حوجة لتوضيح ربما لم يسمعه الطبيب المداوي للشريف وبالتالي قد يكون هذا ما فات عليه قوله لطلبته الذين يدرسهم ولكن يجب ألا يفوت علينا نحن اهل الاسلام والايمان بقدرة الله الواسعة ورحمته كان تفسير الشريف حسين لشفائه يكمن في بركات رؤية صالحه لوالده الشريف يوسف الهندي الذي اشتهر بكراماته وبركاته كسائر الاولياء الصالحين رضي الله عنهم وارضاهم ونفعنا بجاههم
كان قرار الطبيب ان يبقي الشريف حسين في الجبص لمدة ستة شهور كان يتردد عليه في المستشفي كثيرا من السودانيين فوصلته معلومات استخبارتيه انه ربما يتعرض لمحاولة اغتيال من الأمن فغادر المستشفي فورا بقيت معه آلام الظهر طوال بقية حياته وقد ذكر لي ذلك وقال لي أنا لا اشكو للناس آلامي ورايت علي ظهره اثار لخدوش وكدمات كثيره من آثار الحادث .
رحم الله الشريف حسين الهندي وقد كان مع العمال عاملا ومع المزارعين مزارعا تشهد له حقول مشروع الجزيرة ومع المقاتلين مقاتلا تشهد له رمال الصحراء والاحراش والادغال والغابات معروفا انه كان يعمل بيديه يباشر تنفيذ خططه بالعمل الميداني حتي داخل مسيد والده عندما كان صغيرا يشهد عليه جميع الناس فعندما نودي عليه في حفل تأبين والده عام1942 الذي اقامه مؤتمر الخريجين لم يكن بين الجالسين علي الكراسي سمع اسمه وهو يعمل مع الحيران في اعداد الطعام فأتى علي عجل وعلي جلبابه اثار العجين ودماء الذبائح ليلقي كلمة الاسرة نيابة عن اخيه الشريف عبدالرحمن الهندي
———
وإلي اللقاء في الحلقة القادمة عن 2 يوليو عروس الثورات

التعليقات مغلقة.