نقد حسن البطري – أنا متورط في إعدام عبدالخالق محجوب اعتراف تأخر 40 عاماً

109

 

 

حسن البطري.. نقوس المهدي

 

لدينا أطفال رضع وما من مرضعات
لدينا قارة سابعة وما من شعراء
لدينا (ورش) وما من عمال
لدينا صحف وما من صحفيين
لدينا حقول وما من مزارع
لدينا مركب وما من (نوح)
عبد الخالق..
أعطني يدك لأهش بها على غنمي..
وأعطني وسادتك لأملأها بريش النعام..
طبت في خلودك..
في الساعات الأولى من فجر مثل هذا اليوم، منذ أربعين عاماً، ذهب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، عبد الخالق محجوب، إلى المشنقة.
٭ في الساعات الأولى من فجر مثل هذا اليوم (الأربعاء 82/7/1791)، تدلّت رقبة عبد الخالق من حبل المشنقة في سجن كوبر.
٭ (يا منايا حومي حول الحمى واستعرضينا)،
تحسس بيديه حبل المشنقة، وقال: حديثاً (مختلف في روايته) لكن الأرجح: أنه كان يهتف وهو في طريقه إلى المشنقة:
عاش نضال الشعب السوداني
عاش نضال الحزب الشيوعي
وكانت الحروف واضحة، تخرج من مخارجها دونما لعثمة أو لجلجة أو إضطراب: (الشين من سقف الحلق الأعلى، والضاد من الشدق، والزاي من طرف اللسان، والياء ما بين الثنايا).
وعندما استوقفه رجل من رجال كوبر قائلا: يا ولدي ده ما وقتو؟!
وقف عبد الخالق أمام الرجل وجدد الهتاف:
عاش نضال الشعب السوداني
عاش نضال الحزب الشيوعي
٭ وفي أرجح الروايات، عندما وصل إلى المشنقة، تحسسها، وقال مداعباً من حوله: (إن شاء الله حبلكم ده يقدر يشيلنا).
ثم تدلّت الرقبة وأسلم عبد الخالق ود أم النصر، الروح إلى بارئها.
٭ عندما تنضج البرتقالة..
تسقط من أعلى الشجرة، لتستقر في الأرض..
في صباح الأربعاء 82/7/1791، تدلى جسد عبد الخالق محجوب، من حبل المشنقة، واستقر في قلوب الناس.
غادر الفانية (نظيفاً) كيوم ولدته أمه أم النصر، لم يترك وراءه شيكاً طائراً (هل كان في الأصل لعبد الخالق دفتر شيكات؟!)
ولم يترك دًيْنا،ً كان يدين ولا يستدين، ولم يترك ما يخدش في الذمة أو المروءة أو الكبرياء، ولم يترك ما يوِّرثه سوى الوعي (بقدر ما استطاع)، حتى نصيبه في تركة العائلة من أطيان، في الزومة والبركل، تنازل عنه في حياته.
٭ ذهب نظيفاً كيوم ولدته أمه، أم النصر..
كان مولده (على الأرجح) في 32 سبتمبر 7291، بحي السيد المكي بأم درمان، أبوه محجوب عثمان محمد، وأمه أم النصر، الوالد والوالدة من منطقة عند منحنى النيل، من ديار الشايقية، محجوب من البركل، وأم النصر من الزومة، لكن عبد الخالق شبّ (بدون)، لا يعرف القبيلة ولا الجهوية.
٭ عقب أحداث الأحد الشهيرة (5691)، عندما كان كلمينت أمبورو وزيراً للداخلية، حدثت تحرشات وتفلتات من بعض الشماليين تجاه جنوبيين. اصطحب عبد الخالق معه أحمد السيد حمد وعبد الله علي ابراهيم، وذهبوا إلى (بري)، وكانت مركزاً لمجموعة من الجنوبيين، وباتوا حتى الصباح أمام دكان في بري، لكي يضمنوا وصول العمال الجنوبيين إلى أماكن عملهم بسلام، كان عبد الخالق يصطحب الجنوبي ويوصله حتى يركب المواصلات.
جاء في مقال الزميل خالد فتحي (الأحداث 91/7/1102م). شهدت طفولة عبد الخالق وصباها بوادر نبوغ مبكر أشار اليها الدكتور محمد محجوب عثمان في مقالته (عبد الخالق محجوب اسم وضيء في سماء الوطن). جاء فيها: (حدثني شقيقي، علي محجوب وهو أصغر منه سناً ببضعة أعوام أن عبد الخالق منذ نعومة أظفاره، حباه الله بذكاء ملحوظ، وهكذا ظل متفوقاً في كل مراحل دراسته. وفي تلك المرحلة الثانوية شهد له أساتذته بنبوغ مبكر. وفي تلك المرحلة أيضاً كان له أستاذ اسمه مستر كرايتون، متخصص في اللغة والأدب الانجليزي. وقد كرر مراراً أمام طلابه أن عبد الخالق من الكفاءة وامتلاك ناصية اللغة والأدب الانجليزي التي تمكنه من تدريسها).
فقد انهمك عبد الخالق في دراسة روائع الأدب والشعر الإنجليزي التي تضمنت روايات شكسبير وأشعار شيلي وأليوت وكيتس وغيرهم من العمالقة. ومثل هذه الشهادة والتقدير جاءت على لسان آخرين منهم أستاذ التاريخ هولت المعروف لمعظم السودانيين. وعلى ذكر تفوقه الأكاديمي وسعة إطلاعه، لا بأس من الإشارة إلى أن عبد الخالق بعد إكمال المرحلة الثانوية قد جلس لامتحان شهادة كمبردج في 5491م وأحرز درجة الامتياز في كل المواد التي أداها وهي اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية والكيمياء والفيزياء والأحياء والجغرافيا والتاريخ».
وانتسب «عبد الخالق» لكلية غردون قبل أن يفصل لأسباب سياسية بطبيعة الحال. ولم يجد بداً من شد الرحال إلى مصر ليواصل تعليمه هناك، واشترك في تنظيم سياسي مع شيوعيين مصريين عُرف بتنظيم (حدتو) بزعامة المليونير اليهودي (هنري كورييل) قبل عودته السودان مرة أخرى والانخراط بكلياته في العمل السياسي ك (ثوري محترف) ويمضي ساطعاً نجمه حتى إعدامه.
وروى مصطفى أبو شرف (متزوج من شقيقة عبد الخالق) عندما كان عبد الخالق بالمدرسة الوسطى، (تغالط) مع خواجة، كان يدرس الأدب الإنجليزي، وعندما خرج الخواجة من الفصل قابله خواجة آخر كان يعمل بالمدرسة، فسأله عن سر غضبه، قال الأستاذ الخواجة لزميله: There is a little Sheksbeer in this class
٭ ومن بوادرنبوغه عندي ترجمته لكتاب (الماركسية وعلم اللغات).
في عام 35، وعمره آنذاك لم يتجاوز ال 62 عاماً.
وذكر في مقدمة الكتاب بالنص:
(إن علم اللغات مهم جداً بالنسبة للثوريين في السودان، لأن التباين القومي في السودان، وبالذات في القوميات الجنوبية، إذا لم ينتبه إليه فالسودان المستقل، سيتعرض لهزات مذهلة).
٭ قال عبد الخالق محجوب هذا الكلام، قبل أن تنشب الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب بعامين، وقبل أن ينفصل الجنوب عن الشمال ب 85 عاماً!!
كان سودانياً قحاً، يلبس الجلباب والمركوب، ويشرب القهوة و(ما تيسر).
٭ وكان وسيماً بهي الرواء يملأ منه المرء عينيه، قال عنه عبد الله الحاج القطيني في مقالة وسيمة (قيافة وفايت الناس مسافة).
٭ ومع وسامته، كان ابن بلد و(جدع)، يقول للأعور: أنت أعور.
٭ كان سودانياً قحاً ومعنياً بالتقاليد والقيم السودانية، وحريصاً على التمسك بها، قال في مرافعته الشهيرة، في محاكمته أيام عبود:
إننا نفهم التقاليد السودانية متركزة من حب الحرية والكرامة والصراحة والشهامة، إننا نقول الحق ونقول للأعور: أنت أعور معبرين عن أسمى القيم السودانية.
٭ وردت كلمة التقاليد السودانية في هذه المرافعة (7) مرات، ووردت كلمة الأخلاق بمتوالية.
جاء في ذات المرافعة:
هذا هو الخلق السوداني المنحدر إلينا من سلالة (العرب، وقد ضمته أرض أفريقيا وغذته).
محكمة صورية تسدل الستار
* أعدم عبد الخالق محجوب بعد محاكمة صورية، ونطق بالحكم رئيس المحكمة العقيد أحمد محمد الحسن، قائد فرع القضاء العسكري، نطق العقيد أحمد محمد الحسن ب (لهجة مصرية) قرار المحكمة: حكمت المحكمة بالإعدام شنقاً.
* يقول الأستاذ ادريس حسن، حول مجريات محاكمة عبد الخالق في جريدة الأيام أول أبريل 1987م في مقالته (شاهدهم يحاكمون عبد الخالق محجوب) ما يلي:
«قادتنى الصدفة ، والصدفة وحدها لحضور أخطر محاكمة جرت خلال تلك الأحداث (انقلاب الرائد هاشم العطا) وهى محاكمة الأستاذ عبدالخالق محجوب الأمين العام للحزب الشيوعى السودانى آنذاك. وقد اتصل بى فى صباح ذلك اليوم عن طريق الهاتف بمنزلى الأستاذ فؤاد مطر ، رئيس تحرير مجلة التضامن التى تصدر الآن من لندن . وكان وقتها يعمل رئيساً لقسم الشؤون العربية بمجلة «النهار» البيروتية . وقد كنت مراسلاً لها فى الخرطوم . وذهبت للأستاذ فؤاد مطر حيث كان ينزل بالفندق الكبير . وقد جاء خصيصاً لتغطية الأحداث ذات الأصداء الواسعة فى العالم . وقد صاحب اهتمام العالم بأحداث السودان نقد عنيف فى تعليقات الصحافة والإذاعات العالمية ، بل واحتجاجات من بعض الهيئات العالمية على الإعدامات والطريقة التى تمت بها بالنسبة لقادة الانقلاب وقادة الحزب الشيوعي السوداني ، وعلى رأسهم حتى تلك اللحظة المرحوم الشفيع أحمد الشيخ الذي كان معروفا في كثير من الدوائر العالمية بوصفه أحد قادة الحركة النقابية العالمية .
وجلست فى أحد أركان الفندق أتحدث مع الأستاذ فؤاد مطر.. وفجأة بدأت فى المكان حركة غير عادية . إذ أخذ رجال الإعلام والصحافة العالمية يحملون معداتهم ويهرولون خارج الفندق ويتجمعون حول عدد من العربات الحكومية .. وعندما استفسرت عن حقيقة الأمر ، قيل أنه سمح للصحفيين الأجانب فقط بحضور محاكمة عبدالخالق محجوب . والتى أعلن أنها ستكون ميدانية أسوة بالمحاكمات الأخرى التى تمت من قبل.. كان أغلب ظنى بعد تحرك العربات بنا ، أن الضباط الذين كانوا يشرفون على عملية ترحيل الصحفيين الأجانب ، اعتقدوا أننى وزميلي المصور (بشير فوكاف) موظفان من موظفي وزارة الإعلام ، وإلا لما سمحا لنا بالذهاب خاصة بعد أن تعرضنا بعد انتهاء المحاكمة إلى مصادرة أوراقنا والأفلام التى التقطها فوكاف.
مع عبدالخالق وجهاً لوجه:
تحركت بنا العربات من الفندق الكبير متجهة من شارع النيل إلى شارع الحرية، فى اتجاه الجنوب على طريق الشجرة ، وكان الطريق حتى منطقة الشجرة محطماً تماماً بسبب ما أحدثته الدبابات حتى بات كالأرض المحروثة لكثرة مالحق به من أخاديد.. وبعد مسافة ثلث ساعة وجدنا أنفسنا أمام مقر قيادة سلاح المدرعات بالشجرة . وبعد التأكد من هوية الضباط المرافقين لنا سمح جنود الحراسة للعربات ومن فيها بالدخول إلى مقر القيادة ، حيث تجرى المحاكمة . كل المحاكمات جرت هنا وكل أحكام الإعدام رمياً بالرصاص بالنسبة للعسكريين نفذت هنا ، كما علمنا فيما بعد.
أدخلونا أحد المكاتب وكان يجلس فيه ضابط برتبة عقيد ، فتلى علينا تعليمات مفادها عدم التحدث إلى المتهمين . وكانت تنعقد فى ذلك المكان محاكمات أخرى غير محاكمة عبدالخالق محجوب . وأذكر أننى كنت أول الخارجين من ذلك المكتب ، فإذا بى أفاجأ بالسيد عبدالخالق محجوب وجهاً لوجه . وعقدت الدهشة لسانى وأضطربت اضطراباً شديداً لم أستطع أن أحييه إلا بإشارة من يدي رد عليَّ بمثلها . كان بادى الإرهاق والتعب حتى خيل لى أنه مريض . وكان يرتدى جلباباً أبيض ولكنه متسخ مع حذاء أبيض أكثر اتساخاً . وكان واضحاً أنه لم يتمكن من حلاقة ذقنه لبضعة أيام . وكانت عيناه محمرتين ، كأنه لم يذق طعم النوم دهراً كاملاً . وقطع علي هذا المشهد السريع ، القاسى أحد الضباط الذى اقتاد السيد عبدالخالق ، واختفى به من المكان تماماً لمدة تزيد عن الساعة . كنا خلالها ننتظر فى قاعة المحكمة التى تم إعدادها فى إحدى ورش سلاح المدرعات . بدأ رجال الصحافة والإعلام الأجانب فى تجهيز معداتهم وكاميرات التصوير مختلفة الأنواع وآلات التسجيل. كان المكان أشبه بخلية النحل من شدة الحركة . ثم زاد المكان حركة وضجيجاً عندما دخل عبدالخالق محجوب قاعة المحكمة مع حراسه و (صديق المتهم) العميد محمود عبدالرحمن الفكي ، الذى اختير حسب النظم العسكرية التى تقضى بأن يكون للمتهمين الذين يمثلون أمامها أصدقاء لهم يعاونونهم فى الدفاع عن أنفسهم .
دخل عبد الخالق محجوب المكان وانطلقت الكاميرات هنا وهناك تصوره. وكان قد ألقى التحية للحاضرين عند دخوله القاعة . وتبادل التحايا الخاصة مع أحد الصحفيين الأجانب الذين يعرفونه باسمه . بل أن السيد أريك رولو وهو مراسل «ليموند» الفرنسية قد شد على يده مصافحاً . كان مظهر عبدالخالق قد تغير تماماً عما بدا عليه فى المرة الأولى . كان حليق الذقن ، بادى الحيوية والاطمئنان ، وعلى وجهه لمعة وإشراق. كان يرتدى جبة افريقية أنيقة للغاية (سمنية اللون) ، وينتعل حذاءً بنياً لامعاً يكاد يكون قد تسلمه من المصنع لحظتها . وكان يحمل فى يده اليسرى بعض علب السجائرالبنسون. جلس فى المكان المخصص له فى المحكمة ، على مقعد خشبي أمام طاولة صغيرة وجلس بجانبه صديق المتهم ، ووقف خلفه حراسه المخصصون . وخيم على المكان صمت شديد بعد أن هدأت حركة الآلات . لم يقطعه إلا صوت أحد الجنود الذى فتح الباب فى جلبة وضوضاء صائحاً بالجملة التقليدية ..محكمة ! وانتهت المحكمة إلى النهاية المشهورة إذ قضت بإعدام عبد الخالق شنقاً حتى الموت.
يا زكيََّ العودِ بالمطرقةِ الصمّّاءِ والفأسِ تشظّى
* كان عبد الخالق إنساناً.
كان عبد الخالق، سودانيا، جميلا (بأكثر مما تتصور)، يلبس الجلباب الأبيض و(السفاري) والبدلة الكاملة..
ويركب الفولكسواجن (لونها بني)..
ويدخن البنسون (صنعت خصيصاً للسودان)..
ويستمع إلى الغناء..
كان يحب أغاني الفنان خضر بشير، بشكل خاص.
قالت أرملته نعمات مالك:
(كان يحب أغاني الحقيبة، وعندما يسمع صوت خضر بشير، يطلع يتابعو، حتى لو كان مشغول بحاجة مهمة).
وفي حوار مع عبد الخالق قال إن فنانه المفضل: محمد عثمان وردي، وأغنيته المفضلة (الطير المهاجر)..
* ويروي أنه علق على أغنية (الطير المهاجر) قائلاً: هكذا يجب أن تكون الأغنية السودانية!!
* يا سلام.. الطير المهاجر.. هكذا يجب أن تكون الأغنية السودانية.
* و(الطير المهاجر) صاغ كلماتها شاعرنا الراحل صلاح أحمد ابراهيم.. وكان صلاح على خلاف مع عبد الخالق.. (الشحمة والنار).
كتب صلاح عندما ترشح عبد الخالق في الدائرة الجنوبية أم درمان في صحيفة (الصحافة): لونك السياسي يا…!!
وكان عبد الخالق لم يملأ في استمارة الترشيح خانة اللون السياسي، تركها فاضية.
* وهجا صلاح عبد الخالق شعراً.
وتكفل عمر مصطفى المكي والوسيلة بالرد على صلاح، لكن عبد الخالق لم ينبس ببنت شفة.
مساجلات في الصحافة السودانية (الكلام دخل الحوش.. بطاقة مبارزة).
وعندما سئل عبد الخالق عما يكتبه عمر المصطفى المكي علق قائلاً: هذا رأي عمر.
* كان عبد الخالق، بشهادة (مجايليه)، مستاءً للمعركة التي دارت في الصحف. وكان حريصاً أن تنشر (الميدان) لسان حال الحزب الشيوعي السوداني، الردود التي تساند صلاح أحمد ابراهيم، بل وقدم لها بمقدمة:
قال عبد الخالق: رأينا في صلاح تنظيمياً (قلناه) ولكن هذا ليس له علاقة برأينا فيه ك(شاعر).
* قلت لأحد الشيوعيين (الملمين ببواطن الأمور):
ليه عبد الخالق ما رد على صلاح؟
قال لي: يا ابني، عبد الخالق (براعي)،
وصلاح ده منو، ما أخو فاطمة ومرتضى!!
* وأنا أدعي أن لي من (الذائقة) ما يمكنني أن أتقرب بها ل (الشعر)..
وكلما قرأت قصيدة شاعرنا صلاح أحمد إبراهيم يا منايا حوما حول الحمى واستعرضينا
يا زكيََّ العودِ بالمطرقةِ الصمّّاءِ والفأسِ تشظّى
وبنيرانٍ لها ألفُُ لسانٍ قد تلظّى
ضُُعْْ على ضوئِك في الناس اصطباراً ومآثْر
مثلما ضوََّّعََ في الأهوال صبََراً آلُ «ياسر»
فلئن كنتََ كما أنتََ عبِقْْ
فاحترقْْ
يا منايا حوّّمي حول الحمى واستعرضينا وأصْْطَفي
كلّ سمح النفس، بسّّامِ العشياتِ الوفي
الحليمََ، العفِّّ ، كالأنسامِ روحاً وسجايا
أريحيِِّّ الوجه والكفِّّ افتراراً وعطايا
فإذا لاقاكِ بالبابِ بشوشاً وحفي
بضميرٍٍ ككتابِّّ اللهِ طاهرْْ
أنشُُبي الاظفارََ في اكتافِه واختطفي
وأمانُ الله مِنّّا يا منايا..
كلّما اشتقتِ لميمونِ المُُحيّّا ذي البشائْْر ..شرّّفي
تجدينا مثلاً في الناس سائرْْ
نقهر الموتََ حياةً ومصائرْْ
دفعتني (ذائقتي) الشعرية، أن أجعل من عبد الخالق، وتدلى رقبته من حبل المشنقة، معادلاً موضوعياً للقصيدة الفخيمة.
* وفي تقديري، أن معرفة عبد الخالق بالشعر ومحبته له، عصمته، من الوقوع في أوحال الكلمة (الفارغة) والمخادعة، والتي تولد من فائض المعلومات، ومن ابتذال الأصوات، ومن زخرف الرداء المتملق للأغلبية.
* وفي تقديري أن الأغلبية عند عبد الخالق، كانت أغلبية (الشعر) لا غلبة (النثر).
* وفي تقديري، أن عبد الخالق، كان شاعراً..
(إن للشعر مياهاً لا تتعكر).
* وفي تقديري، أن عبد الخالق هرب من الشعر إلى السياسة، (ليهب الفراشة درع سلحفاة)، وليمحو بالأسود افتراءات السطر الأبيض.
رحل عبد الخالق (الديمقراطي)..
كان إيمانه بالديمقراطية بلا حدود، ومحبته لخصومه لا تشوبها شائبة اختلاف الفكر، تكافأ وداً لم يفسد، اختلاف رأي، مع كثيرين ممن اختلف معهم في الرأي، وكان يجالسهم (كل من يغشى مجلسه يقبس ناراً) ويزورهم ويسأل عنهم، (لم يكدر صفو مجالسه اختلاف فكر).
* قال عبد الخالق (الديمقراطي)، في (آفاق جديدة) صدر عام 1956م:
الديمقراطية خيار لليساريين في السودان، وعليهم أن يدافعوا عنها.
ونصح عبد الخالق، في ذات السفر (آفاق جديدة) الأحزاب السودانية ألا تفسد النظام الديمقراطي بالفساد.. قائلاً: عشان ما تكرهوا الناس في الديمقراطية، وتهيأ الظروف لنظام ديكتاتوري ضد التقاليد السودانية.
* لاحظ (ضد التقاليد السودانية)..
وعليك أن (تعد) في سياق إحصائي كلمة التقاليد السودانية، والأخلاق السودانية فيما كتب وقال عبد الخالق.
* في انتخابات أكتوبر الثانية.. جاء عبد الخالق إلى ندوة سياسية أقيمت بميدان المولد بأتبرا..
قدم الندوة جعفر علي قمر، لكن عبد الخالق قدمه محمد إبراهيم عبده (كبج).
قال كبج في تقديم عبد الخالق:
(نحن ما بنهاتر.. ولما ما بنهاتر.. في ناس بيقولوا ما عندنا اللي بنهاتر بيهو، نحن عندنا اللي بنهاتر بيهو، وبالوثائق..
لكن نحن بنفتكر المواطن اللي استقطع بعضاً من وقته، وجاءنا عشان يسمعنا لازم نحترمه، ونحترم عقله..
بالفهم ده.. حيخاطبكم الزميل عبد الخالق محجوب)..
* وعندما اعتلى عبد الخالق المنصة، ما كان من مقدم الندوة الا أن يصرخ في المايكرفون:
يا زملاء.. ما عايزين هتاف ما عايزين صفقة.. عايزين نسمع وبس..
* وبالفعل تحول ميدان المولد بأتبرا إلى (أذن صاغية).. ميدان المولد الذي كانت هتافاته تدوي وتقلق مضاجع المستعمر والوطني، تحول إلى (صالة استماع).
* قال لي شاهد عيان: لم تكن هناك حركة في الميدان، سوى ناموسة، كانت تحلق حول الإضاءة..
* وأضاف: كانت الإضاءة خافتة، لكن وجه عبد الخالق كان مشرقاً ومضيئاً، وكانت الناموسة تقترب أحياناً من (صلعته).
* كان لعبد الخالق صلعة مميزة، (فر الشعر من رأسه تأدباً)..
* كان عبد الخالق (موسوعة) ، وذا شغف بشكل أخص بالأدبين العربي والإنجليزي، (راجع عبد الله علي ابراهيم) و(عبد الله القطيني في مقالته عن شغف عبد الخالق باللغة).
* وعلى ذكر تعلقه بالأدب العربي، استشهد عبد الخالق في مرافعته أمام محكمة عبود بأبيات الشاعر المتنبي:
لا افتخار إلا لمن لا يضام
مدرك أم محارب لا ينام
واحتمال الأذى ورؤية جانبيه
غذاء تضوى به الأجسام
ذل من يغضب الذليل بعيش
ورب عيش أخف منه الحمام
* وفي تقديري، أن لعبد الخالق، قاموساً خاصاً، ومفردة ومصطلحا (هو صاحب الامتياز في أن يكون مصطلحاً).
نادى عبد الخالق بالإضراب السياسي العام، لإسقاط الحكومة، كان ذاك في 1961م واعترف محجوب عثمان قائلاً: (كنت أعتبر هذا شطحة من شطحاته، لكنه تحقق).
* وفي الدعوة إلى الإضراب السياسي، سبق عبد الخالق روجيه غارودي، وسبق سانتياقو كاريلو زعيم الحزب الشيوعي الاسباني ولاحقاً بعد 1968م ونجاح إضراب الطلاب في فرنسا، نادى الزعيمان الكبيران غارودي وكاريلو بالإضراب السياسي العام.
ويرى محدثي عبد الله الحاج القطيني أن مصطلح (النادي السياسي الحاكم) من صنع بنات أفكار عبد الخالق، ويضيف القطيني، أن عبد الخالق أول من أشار إلى أن (بلاد السوفيت بلاد بعيدة، قريبة إلى الأفئدة).
ويعزز القطيني قوله بحديث عبد الخالق:
(إن الحجر الذي ألقى به لينين في مجتمع الرأسمالية، مازالت حلقاته تنداح وتنداح، حتى وصلتنا إلى أفريقيا).

التعليقات مغلقة.