متى يتحول الحب من نعمة إلى نقمة؟

53

على مر العصور حاول الفلاسفة والأدباء والعلماء فهم حالة “الحب الجنوني” والأسباب التي تدفع العاشق للتحول إلى جلاد، يرتكب في حق محبوبه، أبشع الجرائم التي تهتز لها الإنسانية..

 

فما هو الحب المرضي؟

ينشد جميع الناس الشعور بالحب، كونه منبعا للسعادة ومرفأ للأمان، لكن الشعور بالحب ينقلب عند بعض الأشخاص من مؤشر إيجابي إلى مؤشر سلبي، يهدم أي علاقة، وذلك عندما يبدأ الإفراط في التعبير عن الشعور بالحب، ليغدو أداة سلطة وقهر وتحكم في الطرف الآخر.

 

الغيرة المرضية

يجمع خبراء علم النفس على أن الغيرة المرضية أو ما يعرف بـ”متلازمة عطيل”، من أخطر أنواع الحب المرضي، حيث ترجع تسمية هذا الاضطراب إلى الطبيب النفسي الإنجليزي جون تود، الذي اختار هذا المسمى نسبة إلى مسرحية شكسبير، التي قام بطلها عطيل بقتل زوجته الجميلة بزعم خيانتها له.

أما جوانا روزينبلوم اخصائية علم النفس الاكلينيكي فتعتبر هذه المتلازمة إحدى الاضطرابات النفسية، التي يكون فيها المصاب مشغولاً بشكل دائم بأفكار مضللة، حول خيانة شريك العمر، من غير دليل حقيقي أو واقعي.

ويعاني المصاب بالغيرة المرضية في العادة من سلوكيات كالتلصص والمطاردة وبعض الأعمال التخريبية، التي من الممكن أن تصل إلى درجة استخدام العنف تجاه شريك الحياة.

ومن بين الأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بالغيرة المرضية الافتقار إلى الثقة بالنفس أو بالآخرين، والشعور الدائم بالنقص الذي تغذيه رواسب من الطفولة، أهمها الخوف من فقدان الحبيب.

وقد يتفاقم هذا الشعور إلى مشاكل نفسية معقدة كالاضطراب الوجداني ثنائي القطب، أو الوسواس القهري، خاصة إذا ترافق مع الإدمان على المواد المخدرة والكحول.

 

حب التملك والاستحواذ على الشريك

إذا كانت الغيرة المؤذية تنبع من ضعف الإحساس بالذات، فإن حب التملك، بحسب الدكتورة ليزا فايرستون مديرة البحث والتعليم في جمعية جايندون، ينبع من تلك الرغبة الداخلية للأشخاص الذين تدفعهم بطريقة لا إرادية إلى حب امتلاك شخص ما، من خلال المحاولات المفرطة في السيطرة عليه، والتحكم في إدارة حياته، إلى جانب التركيز على صفاته السلبية، كوسيلة لتهدئة مشاعرهم المضطربة.

وتضيف الدكتورة ليزا فايرستون، أن هناك بعض الحالات التي تعاني من حب التملك والسيطرة، نتيجة للإصابة ببعض الأمراض النفسية أو العقلية، كانفصام الشخصية والوسواس القهري ومتلازمة عضوية الدماغ.

 

الشك والهوس المرضي

لا يختلف اثنان على أن الشك يحول الحب إلى جحيم يحرق الطرفين، حيث يقول الطبيب النفسي دانيال بلوك “إن بذور الشك تبدأ مع تصرفات بسيطة لكنها قد تحمل مغزى ما، ويتولّد الشك المرضي حين تكون هناك تغيرات من الطرف الآخر، فتبدأ الأوهام الصادرة عن عقل المريض، بتوسيع دائرة الشك في تصرفات الشريك، الذي من الممكن أن يكون بريئا تماما، وليس في نيته أي غدر “.

ويضيف بلوك أن شخصية الإنسان التي يسودها الإحساس بالنقص معرضة للإصابة بالشك المرضي، لأنها لم تحصل على الحب الكافي منذ الصغر، لذا يسود في داخلها اعتقاد بأنها غير جديرة بالحب، وأن الطرف الآخر سيتخلى عنها لأي سبب من الأسباب.

 

هل يمكن الشفاء من الحب المرضي؟

ويؤكد بلوك بأن محاولات الزوجة أو الزوج لتفهم الشريك المصاب بالحب المرضي والتعامل معه بحذر، بعيدا عن استثارة شكوكه واستفزاز مشاعره، قد يكون مفيدا نوعا ما للتعايش مع بعض الحالات؛ لكنه في الحالات الشديدة يشكل خطرا على حياة الأزواج وعلى استقرارهم النفسي والعاطفي؛ لاسيما عند التعرض إلى الإساءة أو أي شكل من أشكال العنف.

وهنا لابد من تدخل العلاج النفسي والعلاج الدوائي، الذي يشمل أدوية مضادة للاكتئاب وأخرى مضادة للذهان، لمواجهة الأفكار الارتيابية، وللتخفيف من العناد، وعلاج الاضطراب العاطفي المصاحب للحالة.

وبحسب بلوك قد تكون نتائج العلاج “إيجابية جدا”، عند تكاتف العلاج النفسي والدوائي مع العلاج السلوكي والمعرفي الإدراكي، والتنسيق بين العلاج الفردي والعلاج الذي يشمل الأزواج.

التعليقات مغلقة.