الإسكافي الذي عرف بيروت من قصص زبائنه

55

وكالات- سودان4نيوز

خلف آلة الخياطة في الدكان القديم كقِدم منطقة النويري الشعبية في العاصمة اللبنانية بيروت، يجلس المعلم علي محمد يوسف، وهو الإسكافي الستيني الذي بدأ العمل في مهنته منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويظهر على ملامحه السمراء تعب المهنة وسنواتها.

غرفتان كبيرتان كفيلتان أن تجمعا حصيلة زبائنه. وفي مساحة لا بأس بها، يستقبل من جاؤوا لرتق أحذيتهم وتصليح أغراض جلدية مختلفة، تحتل جدران الدكان. في الزوايا تجد المعدات الصناعية الخاصة بالمهنة التي رافقته على مدى أربعة عقود من دون كلل. يملأ طاولته عدد من المطارق وعلب صغيرة تضم جميع أنواع المسامير والجلود الصغيرة، وقالب قيد التصنيع، وإلى جانبه سندان هو رفيقه الأساسي في هذه المهنة.

يبدأ المعلم علي نهاره عند السابعة صباحاً بين درز وتصنيع ولصق. وخلف الطاولة، يروي حكايات بيروت العتيقة من سنوات الحرب الأهلية (1975-1990) حتى يومنا هذا. ويقول: “كانت أيام خير”، قاصداً الوضع الاقتصادي وقتها. هو من الإسكافيين المعروفين في بيروت ويتقن مهنته ويتفنن بتصليح الأحذية وإعادة تصنيعها إذا لزم الأمر بحرفية عالية.

يفتخر المعلم علي بمهنته كونه ورثها عن والده. كان يرافقه إلى دكانه الأساسي في منطقة الغبيري (الضاحية الجنوبية لبيروت) في العاشره من عمره،  قبل أن يدرس الرسم الهندسي ويسافر بعدها إلى السعودية عام 1979 للعمل في الديكور. عام 1981، عاد إلى بيروت وعمل في تجارة الثياب بالجملة في سوق الأحد الشعبي الواقع في منطقة سن الفيل بالضاحية الشمالية لبيروت. وحين تغيرت أحواله، قرر العودة إلى مهنة أبيه بناء على نصيحة أحد أقاربه.

لم يكن القرار سهلاً في البداية، وأخذته الحيرة فترات طويلة قبل أن يباشر العمل في واحد من محلات بيروت بين عامي 1982 و1984. ثم افتتح محله الخاص واحترف المهنة، وما زال يعمل فيها وقد باتت جزءاً لا يتجزأ من حياته.

حكاياته تشبه المدينة بتقلباتها وتنوع وجوهها وتجددها، وذاكرة المكان تشي بحكايات من مروا به. وجوه النساء وتعب الآباء وضحكات الأطفال وثرثرات المنتظرين معلقة على جدرانه وزواياه كشاهد على مهنة عايشت الحرب والسلام ولم تستسلم.

يسرد المعلم علي بوجدانية بدايات المهنة التي ترافقت مع الحرب الأهلية، وخلف المتاريس الرملية كان دكانه مزدحماً يقفل يومياً ثلاثة دفاتر من الإيصالات وكمية من الأحذية تصل إلى السقف، بحسب ما يقول. تغيّر الزمن وتغيّرت أنواع الأحذية لتُستبدل تلك المصنوعة من النعل الكامل بأحذية النصف نعل والأحذية القماشية، ولكنه لم يتوان عن مواكبة العصر والانخراط في التجديد الحاصل.

 

يشير المعلم علي إلى أن هناك من بين زبائنه من هم من الطبقة الميسورة “ويرسل عدد من المشاهير أحذيتهم لتصليحها. فالأحذية الفاخرة لن ترمى بسهولة، ويسعى أصحابها إلى إبقائها جديدة حتى تصمد سنوات عديدة”. يقف رجل أمامه يسأله عن تصليح حذاء لطفله الصغير، وينظر إلى الحذاء ويعتذر عن التصليح. ويقول المعلم علي: “الأحذية الصينية أغرقت الأسواق ولا جدوى من تصليحها. أفضل الاعتذار أو إرساله لإسكافي آخر قد ينفعه”.

يشير إلى أن عمله أصبح نادراً؛ فمهنة “الكندرجي” (الإسكافي) برأيه “فن لا يتقنه إلا المعلمون. وهناك الكثير من المحال لترقيع الأحذية. أتسلم أحياناً أحذية مرقعة أرفض تصليحها، فأنا لا أصلح الأحذية المصلّحة”. يضيف: “أصنع القوالب الطبية بحسب حالة كل قدم. وعلى سبيل المثال ابني كان صغيراً حين اكتشفت مشكلة في قدمه وصنعت له حذاءً طبياً وصححت قدميه من دون طبيب”.

 

لم تسعف الأزمة الاقتصادية مهنته؛ فمع انهيار قيمة الليرة اللبنانية، أصبح الربح قليلاً على الرغم من ازدياد الإقبال على التصليح، حتى أنه اضطر إلى كسر القواعد التي كان قد التزم بها خلال الأعوام الماضية. سبعة أشياء يرفض تصليحها منها الحقائب المدرسية والحقائب والأحزمة وغيرها. يعتبرها اليوم ربحاً إضافياً قد يعوضه قليلاً إذ إن أسعار المواد الأولية والبضاعة التي يبيعها أصبحت بالدولار الأميركي، ولم يعد هناك ربح كما في السابق.

 

لم يرث أولاده المهنة، فقد أكملوا تعليمهم واتخذوا أعمالاً مختلفة. أحدهم تقني تصوير بالأشعة ويعمل في أحد مستشفيات بيروت، وآخر يعمل في مكتب سفريات، وشابة درست التربية الحضانية. أما الصغيرة، فتخرجت مؤخراً من الجامعة وجميعهم متزوجون الآن. أحد أبنائه رغب في ممارسة المهنة وأحب السير على سكة والده. لكن بعد تعثر الظروف، قرر العمل في مهنة أخرى، لكن المعلم علي سعيد بما اختار أبناؤه لحياتهم و لعائلاتهم.

على أحد رفوف الدكان، يضع المعلم علي لوحاته، فهو يهوى الرسم منذ صغره، ويعتبره متنفسه الوحيد الذي يبدأ به نهاره. فمع قهوته الصباحية ترافقه الريشة ليرسم ما يخطر في باله، ويحمل إحدى لوحاته التي هي عبارة عن مناظر طبيعية، ويتحدث عن حلمه بإقامة معرض فني يضم كل ما رسم حتى الآن، فالطبيعة في لوحاته تعكس الضوء على جدران محله لتعطي نبضاً جديداً لروتينه اليومي. يستخدم المعلم علي العديد من الأقمشة والأدوات للرسم.

 

خلف طاولة عمله، يسرد المعلم علي يومه الطويل، فهو نادراً ما يقفل دكانه خلال أيام الأسبوع. وفي الشتاء يفتح دكانه حتى الحادية عشرة ليلاً، إذ يعتبر أن الليل أكثر هدوءاً من النهار، فزحمة الزبائن بين التسلم والتسليم تشتت تركيزه. يدخل أحد زبائنه المعتادين، يتسلم منه أغراضاً للتصليح ويتفقان على موعد التسليم، وبابتسامة لطيفة يضعها جانباً، يكمل حياكة شنطة مدرسية وحياكة حكايات عن لحظات لا ينساها نسجت تاريخ هذا الدكان البيروتي.

التعليقات مغلقة.