أنس العاقب يكتب.. أيام مع وردي

35

المقالة السابعة
آخر الأيام بين ديسمبر 1973 ونوفمبر 2011
لم تندمل الجراح وتهدأ النفوس طوال السنوات التى تلت عودة الجنرال النميرى ظافرا باطشا ولم يسلم من بطشه كل من شارك فى إنقلاب يوليو 1971 قتلا وسجنا وتعذيبا وتشريدا وقد كنت أحد القلائل الذين أفلتوا من عقوبة السجن وأكتفيت راضيا بعقوبة الفصل من الوظيفة ومن الدراسة فى معهد الموسيقى والمسرح ومن التعامل معى فى الإذاعة والتلفزيون لأننى أيدت مع آخرين فى إتحاد الفنانين إنقلاب الرائد هاشم العطا رحمه الله كما احتملت عقوبة التبليغ كل أسبوعين أمام سلطات الأمن العام فى الخرطوم ولم ترفع عنى تلك العقوبات إلا بعد التحقيق معى لآخر مرة فى ديسمبر1972 وبعد أشهر قليلة أطلق سراح وردى وكان احتفائنا به عظيما فى أوساط إتحاد الفنانين والكتاب والأدباء وجمهور وردى الغفيرفقد زادت جماهيرية وردى بين الناس يسمعون أخباره ثم اكتسح وردى الساحة تماما وصار نجم الحفلات بلا منازع.
يعود لوردى الفضل فى رفع قيمة أجور الحفلات وبذلك ارتفعت أجور العازفين وقد أدى هذا التحول المهول إلى تراجع تعاقدات عدد كبير من المطربين الكبار وبقى فوق السطح عدد قليل جدا منهم فظهرت لأول مرة بوادر الكساد الفنى الناجم عن إرتفاع الأجور مما أتاح الفرصة سانحة لظهور فئة جديدة من المغنين الشباب “الجوكيه أو البرنسات” الذين ركزوا على تقليد كل الفنانين بأجور زهيدة فزاد الكساد كسادا.ومن المعلوم تاريخيا ان الفنان إبراهيم الكاشف هو اول من إستن قرار فرض أجورمحدده لإقامة الحفلات تدفع للفنان والعازفين وكانت تسمي (العدادات) . دافع وردى عن نفسه فى الصحف بانه فقط قام بتقييم فنه برفع أجره فى المناسبات والحفلات وفى الإذاعة والتلفزيون وسيواصل مراجعة التقييم من حين لآخر وأنه كما قال ( أفخر بأن لي شرف رفع قيمة الفنان المنتج المبدع وأن ظهور المقلدين من المفروض أن يحفز الآخرين ليجددوا ويجودوا أعمالهم كما أفعل أنا دايما … وما معقول أقارن مع ناس يرددوا أغنيات غنوها قبل عشرين أو تلاتين سنه … هذا إفلاس عديل) غير أن التعتيم على بث أغنيات وردى والإقلال من ظهوره فى التلفزيون كان أمرا واضحا بين سلطة مايو وكل المحسوبين على اليسار الأمر الذى أدى إلى إنشقاق واضح بين مؤيدى النظام والمعارضين وعلى رأسهم كان وردى …ولسوف يذكر التاريخ أولئك الذين ألبوا علينا سلطة مايو 1969 فى إتحاد الفنانين ولم يكونوا يخفون نواياهم التى كانت تستهدف الكثيرين من المحسوبين على اليسار ومعلوم أن نظام نميرى كان يركز على وردى تحديدا لإسكات صوته لأن عودة وردى والتفاف الجماهير حوله صار مهددا للنظام .
كنا جلوسا فى حديقة الإتحاد ومن عادة وردى أنه كان يداوم على الجلوس فى مكان لا يغيره وكان يجالسه عدد قليل من الأعضاء أو بعض من ضيوفه وفى إحدى الجلسات كان أن بدأنا الحديث عن بروفات أغنيته الجديدة ” قلت أرحل” للشاعر الشاب التيجانى سعيد الذى غنى له وردى من قبل أغنية ” من غير ميعاد” …
كان وردى يجرى بروفات أغنيته (قلت ارحل) ويشرف على كل كبيرة وصغيرة فيها وأما إذا تكرم عليك وردى وسمح لك بحضور البروفات ( النهائية) فسيتكشف لك أنك أمام شخصية إجتمعت فيها كل صفات القياده مع فهم كامل لشكل الأداء بكل تفاصيله وكنت أحسبه فقط يذاكر خطة البروفة يوميا قبل بدايتها ولكن من مشاهدتى عن كثب ومشاركتى ( كورس ) فى بعض أعماله فقد كان وردى يوجه العازفين بكل شئ فى كل صغيرة وكبيره بل كان لا يتردد فى نقد أوتوبيخ من لا يلتزم بتوجيهاته أو يتردد فى الأداء أو يكرر الخطأ أحيانا كانت حينما تطرأ عليه فكرة جديدة أثناء البروفات (كإدخال آلة الساكسفون صولو على الأوركسترالأول مرة التى برع فيها العازف المخضرم محمد الحس السنجك فى أغنية ” من غير ميعاد” ) لم يكن يتردد فى تنفيذها ومن غير المعلوم أن وردى كان يقبل التعديلات التى قد يقترحها العازفون وفى هذا الصدد قال لى بكل حزم وثقة ( حتى لو عجبتنى الفكره من زول ما بقبلها عشان ما يجى واحد بعدين يقول أنا شاركت وردى فى كذا وكذا ويزور التاريخ …. العندو (مازوره) واحده أضافها لألحانى خلى يقول الكلام دا علنا إنشاء الله فى لعبة هلال مريخ …. بعدين يا أنس الأسلوب معروف وانت عارف كده كويس ) ثم واصل ( انا قبل كل شئ بتعب نفسى عشان يكون شكل الأغنيه واضح حتى فى الحاجات الصغيره وتانيا بجيب عازف عود متميز أحفظو اللحن ويشارك معاى فى تحفيظ العازفين ) قلت له ( الكاشف كان بيعمل كده ) رد على (الكاشف ما كان بيعزف ولا كان بيلحن بآله موسيقية كان بيترنم باللحن لغاية مايحفظو هو فى الأول وبعدين يحفـِّظو عازف عود … وانا احيانا كنت أعمل البروفات بالعود براى ) ..
كانت بروفات ” قلت ارحل” تجرى فى الجانب الغربى من دار إتحاد الفنانين على شارع النيل الملاصق لمنزل أسرة (البلابل) بعيدا عن مكان تجمع الأعضاء والبروفات التى كانت تجرى فى إحدى الصالات الداخليه وما أن بدأت تظهر ملامح الأغنية ودخلت فى طور التجويد حرصت على متابعنها بإنتظام والمشهد ما يزال عالقا بالذاكره أتخيله أمامى كانه حدث بالأمس : وردى واقفا وبشير عباس على العود فى مواجهة بقية الفرقة الموسيقية الفخمة الضخمة وأخشى لو أننى أشرت للأسماء ان أنسى أسماء أخرى ولكن الأوركسترا عموما ضمت أمهر العازفين آنذاك إذ لم يعرف عن وردى أنه يضم لفرقته عازفا إلا إذا تأكد من مستواه الحرفى ( التكنيك ) وكان الشاب الموهوب أحمد بريس أصغر عازف كمان فى فرقة وردى يجلس وسط الكبار : على ميرغنى وعبدالله عربى ومحمديه وصلاح خليل بل أعطى وردى هذا العازف الشاب فرصة العزف المنفرد صولو تشجيعا بعد إقتناع ولم يعترض الكبار على ذلك وقد أكد لى نفسه زميل دفعتنا فى المعهد العازف أحمد بريس القليل مما ذكرت فى علاقته بوردى …
لقد كتبت وعلقت كثيرا على أغنية ” قلت ارحل” وخلصت بعد أن قمت بتحليلها ونشرالتحليل فى جريدة (الصحافة ) عام 2001 أن وردى بأغنية “قلت ارحل) وصل بمسيرة الأغنية إلى نهاية مطافها من حيث شكل القالب والبناء اللحنى والغناء وأنها إستنزفت كل الخصائص الخماسيه التى كان يجب أن يتسم بها غناء مرحلة ما يسمى إصطلاحيا بغناء المدرسة الفنية الثانية الذى إبتدعه أستاذنا بروفسير الفاتح الطاهـر فى رسالته للدكتوراه فى الإتحاد السوفييتى.
كانت أغنية ” قلت ارحل” فى تقديرى ختاما لسلسلة من الأغنيات التى نحا فيها وردى نحوا تجديديا متدرجا منذ أن إرهاص أغنية ” بعد إيه ” مرورا بالعشر الكبريات
1. المستحيل 6 خاف من الله
2. الطير المهاجر 7 الحبيب العائد
3. مرحبا يا شوق 8 الود
4. بناديها 9 الحزن القديم
5. جميله ومستحيله 10 قلت أرحل ( اخيرا )

قد يختلف معى آخرون ممن يؤرخون لوردى رحمه الله ولكنى توصلت لهذه القناعة بعد متابعة دؤوبة وقراءة متأنية لمجمل الإنتاج الغنائى عموما الذى اتيح لى الإستماع إليه ومعايشته والإرتباط به ومدارسته على مدى خمسة عقود خلت . وأما عن النحو التجديدى فى إنتاج وردى فهو لم يكن على نسق طردى متصاعد بدرجات متساوية وأما إذا طلب منى إختيار ثلاث أغنيات تقف شاهدة على التطور التجديدى المتصاعد فإننى لن أتردد فى إختيار:
1. الطير المهاجر
2. بناديها
3. قلت أرحل .
وهناك مثلا أغنيات عديدة أبدعها وردى وكنت قد تطرقنا لهذا الأمر مع وردى فى حضور عابر لأحد أبنائه وذلك فى آخر زيارة لى معه يوم 19 نوفمبر 2011 واتفقنا على إصدار القائمه بالأغنيات العشر المشار إليها ولكن هناك أغنيات أخرى ذات أهمية مقدرة وهي فى تقديري :
1. بعد إيه
2. ذات الشامه
3. بينى وبينك والأيام
4. يا ناسينا
5. ليالى اللقاء
6. عذبنى
7. مافى داعى
8. عصافير الخريف
9. أعز الناس
10. المرسال
11. سلاف الغنا
12. نتفق أو نختلف

قامت الدنيا ولم تقغد عندما قدم وردى أغنية “وا أسفاى” …. بعض الكتاب من أهل اليسار زعموا أن كلمات إسماعيل حسن موغلة فى سلفية فكرية بائسة وآخرون رجموها بالإرتماء فى أحضان القدرية المفرطة وغيرهم لم ير فيها جديدا موسيقيا وكنت من بين هؤلاء لأن وردى كمفكر يسارى أو شيوعى أو على الأقل (زول ليبرالى) ما كان ليتناول “أسفاى” لو أحس بأن نصها قدرى أوسلفى ولما سألته بعد سنين فى لقاء خاص جمعنا فى ضيافة زميلنا الأستاذ عثمان مصطفى سألته ( لماذا يا أستاذ وردى لحنت إغنية أسفاى مباشرة بعد أغنية قلت أرحل وأنت تعلم أنها Masterpiece تحفه وليس هناك وجه مقارنه بين الأغنيتين فى كل شى هل هى مجازفه منك ) رد على بهدوء وبفلسفة لم أتوقعها وما زلت أتذكر تعبيراته قائلا ( أولا يا أنس الفنان عمرو ما كان مبرمج فى فكرو وفى فنو … الفنان الحقيقى حر ولازم يكون فنو حر ومن حقو يختار حتى لو كان إختيارو ما موفق … كلمات أسفاى جميلة إخترتها عشان أعمل تواصل جديد مع إسماعيل حسن وتانى قلت أجرب التلحين بعد خروجى من السجن ) واحتدم الحوار الطويل حول الفنان وموقفه من الواقع السياسى والإجتماعى … كنت دائما أركز على أن الفنان ممكن يكون ملتزم لا منتم أو منتم لا ملتزم ولكن أن يكون ملتزما ومنتميا فى آن واحد فهذا صعب جدا على المبدع وعلى عطائه الفنى لأنه يصبح خاضعا للإلتزام السياسى الذى يقوده فكر سياسى واجب) ومع أن البعض فى (القعده) أيدنى واصل وردى قائلا ( أهو انا لحنت أسفاي وما عجبت الهاجمونى من الشيوعيين واليساريين ) قلت أغير دفة الحديث ومؤانستنا التى كان يتخللها تبادل الغناء بيننا وخشيت أن ينزلق الحوار إلى فضاء سياسى مطلق فقلت له موجها الحديث للمجموعه ( انا افتكر إنوأغنية ” أسفاى “هى النسخة المكمله لأغنية ” المستحيل ” أو ربما نسخة جديدة لنفس الشاعر إسماعيل حسن وبنفس الفلسفة القدرية اللا إراديه فكلتاهما تتطابقان حتى فى التعابير والمفردات رغم ما تفصلهما من سنوات عديده… هل هذا حنين للماضى أم محاولة إعادة إنتاج تجربة أغنية المستحيل ) رد وردى (أبدا لأن الفنان البيستعيد تجاربو مفلس مع أنى ما إنتبهت للعلاقة البتربط الأغنيتين بعدين الحب دا الناس بيغنو ليهو بطرق كتيره ومعانى مختلفه وكل شاعر عندو أسلوبو ولغتو وانا برضو كملحن عندى أسلوبى ولغتى وتعابير أتميز بيها .. أغنية أسفاى ما زاحمت أغانى تلك المرحله خاصة بعد “قلت أرحل”) …
صحيح شهد عقد السبعينات رسوخ أقدام زيدان إبراهيم وأبوعركى البخيت وانطلاق نجومية التاج مكى وإثبات مكانة متقدمة لفنانى الغرب عبد القادر سالم وصديق عباس وإبراهيم موسى أبا واكتساح ثلاثى “البلابل” وبزوغ مدرسة جديدة فى التلحين يقودها عمر الشاعر وناجى القدسى وأنس العاقب ( الذى إنصرف إلى التأليف والتلحين للدراما فى الإذاعة والمسرح والتلفزيون) …
أطل عام 1974 الذى أنشغل فيه وردى بالحفلات العامة والمناسبات فى العاصمة والأقاليم وانشغلت أنا مع الدفعة إستعدادا لأمتحانات التخرج فى معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية بعد إنقضاء خمس سنوات قضتها دفعتنا الأولى فلم نعد نلتقى ( وردى وشخصى) حتى بداية إمتحانات التخرج فى مارس 1974 عدت بعدها إلى موقعى سكرتيرا للراحل الأستاذ حسب الرسول أحمد عرابى وكيل وزارة المالية والتجارة ( الوزارة الكبيرة) ولكن قبل أن يوافق الوكيل عرابى على طلب إعارتى للمعهد معيدا بخطاب رقيق من وكيل وزارة الثقافة الأستاذ الفنان إبراهيم الصلحى قررت أن أجرب الكتابة فى موضوع السرقات الفنية والإقتباسات من زاوية قانون حق الأداء العلنى Right of Public Performance وشجعنى على نشرها فى جريدة “الصحافة” زميلى فى الوزارة الشاعر والمحرروالناقد الفنى سليمان عبد الجليل رحمه الله وأحسن إليه ومع أن الحلقات تعرضت لسرقات وإقتباسات عدد من أهل الغناء كان من بينهم الأستاذ بشير عباس والفنان الراحل سيد خليفه الفنان شرحبيل أحمد والفنان محمد الأمين ، لكن مقالتى عن الفنان الكبير وردى فجرت براكين غضب صبت جام حممها على شخصى وقادها بعنف لأستاذ الراحل جمعة جابر ( الذى صار فيما بعد من أعز الأصدقاء) كان التساؤل الحار: من هو هذا الولد أنس العاقب ومن أين أتى ليهاجم وردى العظيم كذبا وأفتراءً وبحثا عن الشهرة.
تطورت الردود المكتوبة إلى سباب وإعتداء بدنى وبالتهديد والوعيد ولا اريد هنا أن أسوق لذلك امثلة شهدها ويشهد بها أصحاب وأصدقاء …. ولكن برغم ما لحقنى من حيف واعتداء لا أنكر أبدا أننى كنت سعيدا بنجومية الكتابه بعد تراجع نجومية الغناء التى ضحيت بها لصالح دراسة الموسيقى فى معهد الموسيقى والمسرح كما أن تخصص التأليف الموسيقى أتاح لى بالطبع فهما عمليا وعلميا مكننى من تحليل أى عمل موسيقى منطلقا من منطق الذائقة الجمالية والقيمة الفنية للشكل والأداء وقد حرصت وما أزال ألا تنزلق كتاباتى فى ما يسمى بالنقد العلمى أو التحليل الأكاديمى وإن كنت كمؤلف من بين قلة المؤهلين على تناولهما وبكل تعقيداتهما وكنت دائما أقول كيف يمكن مخاطبة مواطن بسيط ومواطن آخر على درجة عالية من العلم يتفقان وجدانيا فى الإنفعال بأغنية ما وهل هما قادران على إستيعاب النقد الأكاديمى ؟؟ بالطبع لا… وهذا هو مربط الفرس عندى .
أما علاقتى بالأستاذ وردى وإن توترت وأصابها شئ من الفتور ، بيد أنها لم تصل مطلقا لحد القطيعة التى كان يؤججها كثيرون فى الوسط الفنى وكان وردى هو المبادر دائما بالتواصل معى وترطيب العلاقة بيننا وكان يعتبرنى من أفضل النقاد وقد أعلن ذلك مرارا وأوصانى أن اتخصص في النقد إلى جانب التأليف الموسيقى عندما إبتعثت عام 1976 لنيل دراسات عليا فى ألمانيا الشرقية (سابقا)….
رحم الله وردى وغفر له وأحسن إليه وانزله منزل صدق فى النـَّدِىِّ الأعلى …. آمين

التعليقات مغلقة.