وحدَّة الاتحاديين: لم يكتمِل العِقد بعد- الواثق كمير

93

مقدمة

 

أعكف على كتابة مقالً  أُسلطُ فيه الضوء على تصدعات وتبعثر القوى السياسية غير المسبوق في التاريخ السياسي السوداني، بعد ثورة ديسمبر، خاصة بالمقارنة مع الفترتين الانتقاليتين اللتين اعقبتا ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، وحتى في الفترة الانتقالية لتنفيذ اتفاقية السلام الشامل في 2005. أطروحة هذا المقال أن الضعف الملازم للتحالفات السياسية السودانية متذ مهدها، ولو بدرجات متفاوتة، لا تعزى لطبيعة العلاقات البينية/الأفقية بين مكونات التحالف المعني، إنما هو نتيجة لهشاشة المكونات نفسها بسبب انقسام قيادتها، من جهة، وقصور التواصل رأسيا بينها وبين القواعد، من جهة أخرى. وللتدليل على احتمال صحة الأطروحة، خطرت ببالي فكرة نشر مسودة مقال آخر كنت قد اكملت إعدادها منذ مطلع يونيو المنصرم، ولكني لم أتحمس لنشره حينذاك.

 

المقال يتناول موضوع وحدة الحزب الاتحادي الديمقراطي في ظل ما يعانية الحزب من انقسامات إلى فصائل، من ناحية، وتصدع قيادة طائفة الختمية وبيت الميرغني، من ناحية أخرى. فالمقال يستعرض خلافات الاتحاديين كمجرد نموذج لحالة الهشاشة التي تكتنف الأحزاب عموما، والتي لا تقف آثارها عند حدود الحزب فقط، في ظل واقع سياسي عنوانه الشقاق والإفتراق، يحفه تنافس إقليمي محموم لاستقطاب الأطراف السودانية. وكذلك، يوفر المقال فرصة لابتدار الحوار وتوسيع مواعين النقاش حول وحدة الحزب الاتحادي، (وفي الأحزاب الأخرى)، ويُملي ضرورة الفهم بأن تشظي الكيانات الحزبية لن يقود إلى تحالفات متماسكة تقوم بدورها المطلوب في إدارة العملية الانتقالية. فالتحدي الرئيس الذي تواجهه الأحزاب وكل القوى السياسية هو الخروج من حالة التشرزم والانقسام على النفس، والمثابرة على تعبئة قواعدها وحشد كل قدراتها وتسخير امكانيتها للبناء والتنظيم الحزبي، حتى تصبح مؤهلة لتأسيس تحالفات قابلة للصمود وقادرة على تحقيق أهدافها. فإن لم تدرك هذه التنظيمات ضخامة هذا التحدي، فلن تسعفها التحالفات التى تقوم فقط على العلاقات الأفقية بين مكوناتها.

 

مصر: استضافة لقاءات الفرقاء السودانيين!

 

في 24 سبتمبر 2019، تم لقاء بين الفريق جوزيف تكة، نائب رئيس الحركة الشعبية شمال/بقيادة الفريق عبد العزيز الحلو، مع السيد جعفر الميرغني نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، في القاهرة، وبحضور مولانا الميرغني نفسه، والتوقيع على مذكرة تفاهم وسِّمت ب “بيان القاهرة المشترك”. أثار هذا التفاهم المشترك دهشةً وجدلاً واسعاً وسط المهتمين والمهمومين بقضية السلام في البلاد، فلم يسلم الطرفان من سهام النقد، كما لحِقَّ “رأس السوط” حتى البلد المضيف. على إثر هذا الحدث، نشرتُ مقالاً هدف إلى الفرز بين الحقائق والظنون في قراءة اللقاء وبيان القاهرة المشترك، وإلقاء الضوء على الظروف الموضوعية والتاريخية المصاحبة لاستضافة الحكومة المصرية للاجتماع بين الحركة الشعبية شمال والحزب الاتحادي الديمقراطي. ففي رأيي، لا أظن أن احتضان القاهرة لهذا الاجتماع الهام بالأمر الذي يستدعي أو يثير الدهشة إذا أمعنا النظر في العلاقات التاريخية بين الطرفين الموقعين على البيان، من جهة، وبينهما وبين الحكومة المصرية وسياستها الكلية تجاه السودان، من جهة أخرى. (الواثق كمير، التحالفات السياسية السودانية:

التماعُ نجم بعد خُبُوٍّ!، سودانايل، 10 أكتوبر 2019).

 

تشكيك البعض في نوايا مصر لاستضافتها اجتماع “بيان القاهرة المشترك”، بين قيادتي الحركة الشعبية شمال والحزب الاتحادي، هو توجس يمكن فهمه في سياق التوترات التاريخية المتقطعة في علاقات البلدين، خاصة خلال سنوات حكم الإنقاذ. ومع ذلك، إن الفهم الموضوعي للتعاطي المصري مع السودان يستدعي أن ننظر إليه في الإطار التاريخي لمجمل السياسية المصرية في التعاطي مع الشأن السوداني، وبالضرورة ما يطرأ فيها من متغيرات تمليها مصالح مصر القومية للتعامل مع أنظمة الحكم العسكرية والمدنية المتعاقبة في السودان. ختمت المقال بإن التوقيع على بيان القاهرة المشترك، لا شك قد فتح نافذة كبيرة للحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل) للخروج من الطوق السياسي الذي فرضته عليه شروط وقوى الثورة، ويضع حدا للتصدع في كابينة القيادة. وربما فتح الباب واسعا أمامه، ومنح كافة الاتحاديين فرصة ثمينة للملمة أطرافهم وتوحيد فصائلهم المبعثرة لبناء تنظيمي متماسك وتحويل نفسها إلى قوة انتخابية يعتد بها.

 

وهكذا، على نفس الخُطى، استضافت القاهرة فعاليات مؤتمر “الوحَدة الاتحادية التنسيقية”، في 31 مارس 2022، الذي جمع عدداً من الفصائل الاتحادية للتوافق مع الحزب الاتحادي الديمقراطي “الأصل” بزعامة مولانا محمد عثمان الميرغني. وللمفارقة، أيضا على ذات النهج، لم تسلم مصر من اتهام بعض القوى السياسية لها بالسعي لخلق جبهة تكون بمثابة “حاضنة سياسية” لانقلاب “فض الشراكة”، في 25 أكتوبر 2021، لتمكين الجيش في حكم البلاد. في رأيي، أن غياب الإدراك الموضوعي للتعاطي التارريخي لمصر مع السودان هو السبب وراء الفهم المنقوص لهذه القوى للعلاقة بين البلدين، عموماً، والاتحاديين بصفة خاصة. كما أن مثل هذا الفهم يغفلُ، بقصدٍ أو جهلٍ، أن السعي لوحدة الحزب الديمقراطي هي إرادة غالب الفصائل الاتحادية، قبل استضافة مصر لمؤتمر الوحدة الاتحادية. ويقف شاهدٌ شاخصٌ على هذه الرغبة المستقلة أن الخطوة الأولى في سبيل تحقيق هذه الرغبه كانت في الخرطوم، حيث تم في 23 يونيو 2021، لقاءٌ كبير ضم عدداً من الأحزاب والفصائل التى توافقت على وثيقة “نداء الوحدة الاتحادية” تحت مظلة الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بزعامة مولانا محمد عثمان الميرغني. (الواثق كمير، مؤتمر وحَدَّة الاتحاديين: خبرٌ سار في زمن كئيب!، سودانايل، 28 يونيو 2021).

 

الاتحاديون: جوهر الانشقاق!

 

لا شك أنَّ هذين اللقاءين هما بمثابة طرق على باب وحَدة الاتحاديين الشاملة التى ظل يتطلع لها جمهور الاتحاديين، وينتظرها السودانيون المهمومون قاطبة، حتى تستعيد الحياة السياسية توازنها. ومع ذلك، فإنَّ التحدي الرئيس الذي يجابه الاتحادي الديمقراطي ليس في جمع الفصائل الاتحادية فحسب، إنما في قدرة الحزب على الوحدة وحسم الخصومات ديمقراطيا، خاصة وأنه لا يعاني فقط من عزلة وسط الاتحاديين، ولو تعددت فصائلهم، بل من خلاف بائن داخل كابينة القيادة من عائلة الميرغني. إن الشرط الضروري لانجاح الاتفاق والدفع به إلى الأمام هو تماسك الحزب ووحدته وتوفير القيادة المجمع عليها واعادة الحزب إلى طوق المؤسسية والديمقراطية الداخلية. حقاً، فقد ظلت الانقسامات، من جهةٍ، والسعي للوحدة، من جهةٍ أخرى، ملازمة للتطور التاريخي للحركة الاتحادية منذ النصف الثاني من القرن الماضي.

 

فالبرغم من تبعثرِ الحزب خلال فترة حكم الرئيس نميري (1969-1985)، إلاَّ أنه استطاع الحفاظ على قدر من التوافق حتى انقلبت الجبهة الإسلامية على الحكم النيابي، في 30 يونيو1989. فعندما طرح مولانا محمد عثمان الميرغني مبادرته للسلام على الحركة الشعبية في 1988 كان الحزب متماسكا تنظيميا، إلى حد معقول، يسمح لقيادة الحزب بتعبئة جماهير للحزب والتفافها حولها ولم يشهد تنازعا على قيادته كما هو الحال الآن. ومن ثمَّ، بدأت الانشقاقات تطل برأسها من جديد، داخل الحزب خلال فترة معارضة نظام الانقاذ، خاصة عقب قرار الأمين العام للحزب، الشريف زين العابدين الهندي، بالعودة إلى السودان مبادرته للوفاق مع الحكومة، التي أطلقها من دمشق، في عام 1996. وما كادت الفترة الانتقالية، بحكم اتفاقية السلام الشامل، أن تصل إلى نهاياتها حتى اتسعت دائرة الانقسامات، وزادت حدتها في الفترة المُنصرمة من عمر الانتقال، وتفرق شمل الحزب إلى فصائل متناحرة.

 

وهكذا، فإنَّ السمة الرئيسة للخلاف داخل الاتحادي الديمقراطي، وطبيعة الانقسامات في صفوف الاتحاديين، تاريخياً، كانت تكمُّن في الصراع على قيادة الحزب بين الاتحاديين “السياسيين”، كطرف، وعائلة الميرغني (قيادات طائفة الختمية)، كطرفٍ  ثانٍ. ومع ذلك، فالتوافق بين الطرفين هو ما خلق التوازن في كابينة القيادة، ولو بصيغ مختلفة، ومثالان صارخان يشهدان على ذلك. أولهما: الوحدة الاندماجية بين تيارات الاتحاديين وحزب “الأشقاء” في الوطني الاتحادي، 1952، وثانيهما: تأسيس الحزب الاتحادي الديمقراطي برئاسة اسماعيل الأزهري، ورعاية السيد على الميرغني، في عام 1967. أما في الوقت الراهن، فقد انتقل جوهر الخلاف “نوعياً” من كونه صراعاً، على قيادة الحزب، بين فصائل الاتحاديين وبين زعامة الطائفة (بيت الميرغني)، إلى خلافٍ  داخل الأسرة، خاصةً، بين السيدين جعفر والحسن، إبني مولانا محمد عثمان الميرغني.

 

إنَّ الخلاف الماثل بين السيدين تنداح تداعياته على جمهور الاتحادي الديمقراطي، وقواعد طائفة الختمية، والذي ضمن أسباب أخرى، قد أقعد الحزب عن القيام بدور التاريخي، بل أخرجه من دائرة الفعل السياسي. لا مجال للحزب إلى استعادة موقعه ما لم يتم رأب الصعب داخل بيت السادة المراغِنة، والمثابرة لتسوية هذا الخلاف، الذي سببه الرئيس هو تطلع السيدين إلى دور وطني، إذ يسعى كلُ منهما إلى وراثة قيادة الحزب والطائفة (فالصراع في الواقع السياسي يبقى على كرسي نائب رئيس الحزب).

 

في ظني، أنًّ السيد الحسن يرى أنه الأكثر استحقاقاً لهذا الموقع، وله دفوعات موضوعية تدعم موقفه. أولاً: وفقاً لقواعد تراتبية القيادة في الطريقة الختمية، فإن الأكبر سناً هو من يكون الخلف للزعامة (ولو أن السيد على هو أكبر أبناء مولانا الميرغني إلا أنه ليس بمنغمسٍ في شوؤن السياسة والطائفة بصورة سافرة). ثانياً، السيد الحسن هو الأكثر انفتاحاً على قواعد الختمية، خاصة في كسلا والبحر الأحمر، ويملك قدراً من التواصل والحضور الجماهيري. ثالثاً، وربما الأهم،

أنه بعد خروج مولانا السيد محمد عثمان الميرغني من السودان (2013)، تم حل كل أجهزة الحزب وهئيته القيادية والمكتب التنفيذي، وتكليف السيد الحسن بإدارة الحزب والتفاوض مع المؤتمر الوطني في المشاركة وخوض انتخابات عام 2015.

 

ومع ذلك، ولو أن السيد جعفر هو الاصغر سناً فقد اتسم بالنضوج الذى حفظ تقاليد الأسرة الختمية. فرغم تعرضه لما لا يليق به فى تجربته مع الانقاذ ابان توليه منصب مساعد رئيس الجمهورية، فقد التزم الصمت والصبر، فيما شن السيد الحسن هجوماً خرج على كل تقاليد الميرغنية، عندما وصف قيادات مخضرمة فى الحزب الاتحادى بالدواعش. لكن مهما يكن من تاريخ فقد شرعت الأسرة من نفسها لتُطبِق مُقتضى فلسفة العصر والإدارة الحديثة فى تقسيم العمل بين الشأن السياسي وشؤون الطريقة والطائفة والشؤون المالية والادارية، فكل الذى يهدف اليه هذا المقترح هو تطوير الفكرة سياسياً لحل المشكلة الأكثر جوهرية.

 

هَلْ لِمِصْرِ دَوْرٍ ؟

 

لِمصر علاقات تاريخية راسخة، منذ نهايات القرن التاسع عشر، مع قيادة الطريقة الختمية في السودان، وتوطدت هذه العلاقات فيما بعد خلال مرحلة نشأة الأحزاب الاتحادية، بل توحدت الأحزاب الاتحادية لأول مرة في القاهرة، في نوفمبر 1952، برعاية من مصر. بِحُكمِ هذه العلاقة استبشر الاتحاديون، والسودانيون عموماً، خيراً بما تبذله مصر من جهود في سبيل وحدة الاتحاديين، ولو أن الخلاف على قيادة الحزب هذه المرة طال قيادة الطائفة فلم يعد بين بيت السيد الميرغني والفصائل الاتحادية فقط، بل داخل البيت نفسه. في ظل هذا الخلاف المحتدم بين آل الميرغني حول قيادة الطائفة والحزب، فإن غياب مولانا محمد عثمان الميرغني زعيم الطريقة الختمية ورئيس الحزب سيكون زلزالاً يعصف بأي مشروعٍ لوحَدة الاتحاديين، ويُضعِف فرص وحَدة القوى السياسية البلاد قاطبة!

 

إن دورَ مصر المرتقب يكمن في مواصلة سعيها لجمع أطراف الاتحاديين ينبغي أن تكون على رأس أجندته، هذه المرة، جمع السيدين، الحسن والميرغني، والسيد محمد الميرغني وأسرة الميرغني كافة، على كلمةٍ سواء. إنَّ ترك هذا الوضع على ما هو عليه قد تكون له تداعيات كارثية ، خاصة في حال رحيل مولانا محمد عثمان الميرغني، وخطورة أن يبقى السيد الحسن بعيدا عن مصر أو أن يشعر بالغبن من أنها ترجح كفة أخيه السيد جعفر في ظل تنافس إقليمي محموم على استقطاب الأطراف السودانية، وفي مقدمتها الأحزاب التاريخية الكبيرة.

 

في رأيي أن تقديم تصور(ات) لهيكل تنظيمي، قابل للتطبيق، بحيث يجد كل من السيدين نفسه، ويحفظ حقه، ليكون حلاً للخروج من هذا المأزق. وينبغي مواصلة الجهود في العمل على مثل هذا “التوافق التنظيمي”، الذي يوزيع الصلاحيات بين السيدين بشكل متوازن وفعال ووفق اتفاق معين بينهما، من ِجهةٍ، ويضمنُ المشاركة المستحقة في قيادة الحزب الاتحادي لكافة فصائل الاتحاديين، من جِهةٍ أخرى. وهذا بدوره، يستدعي مشاركة مجموعة السياسيين المؤثرين في كلا الجانبين، والموالية لكلٍ منهما (خاصة من هم حول السيد جعفر). ذلك، بجانب اصطصحاب قيادات الختمية في شرق السودان.

 

ومن المُهِم ذكره، أنَّ مثل هذا المقترح لا يخاطب الخلاف بين السيدين، وفي داخل بيت الميرغني، فحسب، بل أنه، أولاً: يُشكِّل مدخلاً لمعالجة الخلاف بين أُسرة السيد الميرغني، وقيادة الطائفة الختمية، من جهةٍ، وبين الفصائل الاتحادية المُتفرقة، من جِهةٍ أخرى. وثانياً، فإنَّ النجاح في حل عقدة السيدين الحسن وجعفر ستكون مقدمة لوحدة حقيقية للاتحاديين، وتوفِرُ نموذجاً صالحاً تحتذي به كافة القوى والكيانات السياسية السودانية الأخرى التي تعاني من ذات داء الانقسام والتشظي. وفي سياق هذا المنحى، فلا شك، أنه من المهم تعريف وتبيين التحديات التي يمكن أن تعترض المساعي المصرية لإكمال ملف الوحدة الحقيقية للاتحاديين، بحيث لا تبدو هذه الوحَدَّة المنشودة وكأنها مجيرة لخدمة المصالح المصرية أو السلطة في السودان، وليس مصالح السودان العليا.

 

أختم، بانَّ الخطوة الأولى والسليمة في سبيل وحدة الحزب الاتحادي الديمقراطي لا بُد أن تبدأ بفض الخلاف بين السيدين، وداخل الطائفة، ومن ثم التواضع على التوافق مع فصائل الاتحاديين، وليس العكس. إنَّ عِقدَ ما تم من خطوات، بدعم من مِصر، في طريق وحَدة الحزب والاتحاديين، لم يكتمل بعد! وإن كان لمِصر دورٌ مرتقب فهو المساهمة في إكمال هذا العِقد.

‏kameir@yahoo.com

 

التعليقات مغلقة.