الفاضل عباس محمد علي يكتب : بين جون قرنق و سامورا ميشيل

46

 

(هذه إعادة، مع بعض التحديث، للمقال الذي نشرته بصحيفة (أخبار العرب) الظبيانية في 26 نوفمبر 2005، أي قبل 17 سنه، لما فيه من تأكيد بأن التاريخ يعيد نفسه.)
أورد العدد الأخير من “تيوزويك” مقابلة عن الديمقراطية مع الدكتورة مادلين أولبرايت الوزيرة الأسبق للخارجية الأمريكية، شجبت خلالها محاولات فرض الديمقراطية اللبرالية علي الأنظمة التقليدية العشائرية في الشرق الأوسطً، باعتبار أن ذلك مناف لمفاهيم الديمقراطية نفسها؛ ويجب أن نترك الأمر للتطور الباطني التلقائي للشعوب المعنية، خاصة وأن التدخل الأمريكي في ظروف السمعة السيئة التي تلطخ أمريكا حالياً لا يخدم العناصر المتطلعة للديمقراطية، بل يهز وضعيتها ويقلل من شعبيتها وسط الدوائر التي تستند عليها. وعوّلت أولبرابت علي الواقعية البرجماتية التي ظلت توجه السياسة الخارجية الأمريكية منذ عشرات السنين، وتركت الديمقراطية (الرومانسية) جانباً، فهي حقاَ شعار براق وشاعري، ولكن العلاقات الدولية تحكمها المصالح، وهي في الأصل سلسلة عمليات توازن دقيق ومعقد؛ وكثيراً ما تفضل الحكومة الأمريكية “الاستقرار السياسي” علي الديمقراطية. ومن هنا فهي دائماً تفضل التعاون مع الأنظمة الأوتوقراطية، منذ عهد باتستا في كوبا والشاهنشاه في إيران والجنرال فرانكو في إسبانيا – الأب الروحي للفاشيين، وسلازار في البرتغال وبينوشيه في شيلي وهيلاسلاسي وموبوتو سي سي سيكو وغيرهم، ومنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر، (ومن استيقظت شعوبهم من وهدتها),
وأغفلت أولبرايت ذكر السودان، وغضت الطرف عن المحاولات التي بدأت منذ عهدها إبان رئاسة بيل كلنتون لتركيع النظام الأصولي الدكتاتوري القابض هناك – مثل ضرب مصنع الشفاء في الخرطوم بحري بالصاروخ توما هوك المرسل من البحر الأحمر علي بعد ألف ميل من ذلك الهدف؛ ومثل سعيها شخصياً لتفعيل ودعم المعارضة، انتهي حديث أولبرايت. (وأذكر أنها قد صرحت آنئذ أن الإدارة الأمريكية قد تبرعت بعشرة ملايين دولار لدعم لوجستيات التجمع الوطني الديمقراطي، وقد سمعت لاحقاً من أحد ناشطي أحزاب التجمع أنه تقاسم ذلك المبلغ مع باقان أموم ممثل الحركة الشعبية، أي أن الدعم الأمريكي تناهي إلي جيبي شخصين بالتجمع حصرياً.)
وفجأة تغاضت الإدارة الأمريكية عن حقوق الإنسان، وتقمصت روحاً عدوانية استعمارية توسعية، ودخلت جيوشها، مدعومة بالجيش البريطاني وبضعة حلفاء آخرين علي شاكلتهم، دخلت بغداد قبل سنتين، وبدا كأن الحرب ضد الإرهاب أصبحت أمراً جاداً وليس هزلاً وألعوبات إعلامية، فارتعدت فرائص النظام الليبي، وتهافت القذافي ونسي حربه المعلنه ضد الإمبريالية الأمريكية وأمر بتفكيك مشاريعه النووية والجرثومية وتسليم حديدها ومعداتها للحكومة الأمريكية. ومارس النظام السوداني كذلك انبطاحاً من هذا القبيل، وأصبح الفريق صلاح قوش مدير الأمن الإبن المدلل للمخابرات الأمريكية، وأبدي استعداداً كاملاً للتعاون المخابراتي واللوجستي مع السي آي إي بما فاق أحلام إدارة الرئيس بوش جونيور، كما قال الجنرال كولن باول خليفة مادلين أولبرايت في وزارة الخارجية.
وعند ذاك توقفت الأبواق الأمريكية عن الحديث الخاص بالديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان وهلمجراَ، ويممت الولايات المتحدة وجهها صوب “الإنزال السلس Soft Landing”، أي التغيير الباطني التدريجي لنظام الخرطوم، مع الدفع اللصيق والحصيف من الخارج، بمساعدة القوي الغربية والإقليمية الأخري ذات المصلحة؛ فظهرت فجأة المجموعة المسماه ب”أصدقاء الإيقاد”: الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا والنرويج، التي أمسكت بالملف السوداني وسارت به من مفاوضات مشاكوس حتى بلغت نيفاشا، حيث أبرمت “اتفاقية السلام الشامل CPA” في 9 يناير 2005، وقلبت الإدارة الأمريكية ظهر المجن للمعارضة الممثلة في التجمع الوطني الديمقراطي، وركزت علي الإتفاق الثنائي البحت بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق، هادفة فيما يبدو لاستيلاد حكومة “مستقرة” وإلي وضع حد لطرقعة السلاح بمناطق النفط بجنوب كردفان والتخوم الشمالية لجنوب السودان. وفي سبيل تلك المصالح فلتذهب المعارضة الشمالية إلي الجحيم.
وعندما وطئت قدما جون قرنق الخرطوم بعد الاتفاقية التي اكتنفها التردد والملاججة والمحاصصة، استقبله الشعب السوداني بمليونية تاريخية باعتباره زميل نضال، وباعتباره زعيماً سياسياً من نوع جديد، فهو وطني تقدمي عصي علي الاستئناس، وذو نكهة بروليتارية وروح ثورية تذكر بالزعيم الكماندر سامورا ميشيل قائد فريليمو وأيقونة النضال الموزمبيقي حتي الاستقلال من الاستعمار الاستيطاني البرتغالي الذي دام لأربعمائة سنة. وما كادت موزمبيق تحقق استقلالها حتي اغتيل رئيسها سامورا ميشيل، عندما تحطمت طائرته فوق الجبال الحدودية بين موزمبيق وجنوب إفريقيا. وبالطبع ادعت كل الأطراف التي لحقها راس السوط أنه قضاء الله وقدره. ولكن، وبعد انهيار نظام الأبارثايد في جنوب إفريقيا بمطلع التسعينات، ظهرت اعترافات لدي الأجهزة الأمنية تشير إلي أن حكومة جنوب إفريقيا كانت وراء تحطم طائرة المناضل سامورا ميشيل, ولما استقر جون قرنق بمكتبه بالقصر الجمهوري بالخرطوم نائباً لرئيس الجمهورية، اتضح أنه طراز فريد، متسلح بأجندة وطنية منسجمة مع الشارع السوداني وليس مع الإخوان المسلمين، وغير منسجمة مع المخططات الأمريكية التى كانت تشتهي وتتوقع نظاماً مهجناً ومدجناً، أتي للوجود في غرفة ولادة كينية أشرف عليها نطاسي استخباراتي أمريكي بارع وممعن في الدهاء.
ولقد كان الشلال الأول الذي وضعه جون قرنق أمام الصلات العضوية والتواصل الحميم بين الحكومة الأمريكية ونظام الخرطوم هو إصراره علي إشراك التجمع الوطني الديمقراطي في الحكومة الانتقالية بنسبة عادلة تستقيم وحجم أحزاب المعارضة – الأمة والاتحادي الديمقراطي والشيوعي. وفي سبيل ذلك، شرع جون قرنق في رحلات ماكوكية بين الخرطوم والقاهرة وواشنطن ولندن – إلي أن هندس اتفاقية القاهرة بين التجمع وحكومة الخرطوم، رافداً لاتفاقية نيفاشا للسلام الشامل. ولقد حضر قرنق توقيع اتفاقية القاهرة، والقي كلمة في تلك المناسبة أظهرت للعالم التجاوب بينه وبين المعارضة، وبينهما وبين الشعب السوداني شماله وجنوبه. ولقد اندهش المراقبون لتلك النجاحات التي حققها جون قرنق في زمن قياسي، حيث أصبح السودان موعوداً بسلام شامل حقيقي؛ بيد أن كثيراً من المراقبين كانوا متشائمين، وظنوا أن قرنق رومانسي يحلم بالمستحيل، وأن تلك النجاحات في الحقيقة are too good to be true، وأنه يغرد خارج السرب الإمبريالي، وربما يتم التخلص منه عاجلاً أم آجلاً,
وبالفعل، وبعد أسابيع معدودة، جاء الموت المفاجئ لقرنق إثر تحطم طائرته فوق جبال كتري – إماتونج قرب الحدود اليوغندية السودانية، وكان في حقيقته عبارة عن الثقب الأسود السحيق الذى هوت إلي جوفه آمال السودان في السلام الحقيقي الشامل، وفي الوحدة بين أطرافه وإثنياته المتنافرة، وفي الاستقرار السرمدي الموعود ل”السودان الجديد” الذى دعي له الشهيد قرنق.
ومن مفارقات القدر أن ملابسات هذه المأساة شبيهة بمصرع الزعيم سامورا ميشيل التى حدثت قبلها بعقدين من الزمان، وهي كذلك سر في طي الغيب الاستخباراتي….ربما يتم كشف الغطاء عنه في بضع سنين. وكما رزئت موزمبيق بحرب أهلية بعد وفاة ميشيل دامت لعشرين سنة، عادت المدافع لدويها، ليس في الجنوب وحده، ولكن في جواره بمنطقة أبيي وبدارفور وجنوب النيل الأزرق، ( ولا حقاً في الجنوب نفسه بين أكبر قبيلتين – الدينكا قوم الرئيس سلفا كير، والنوير، قوم نائبه رياك مشار، وهي حرب تهدأ تارة وتشتعل تارة أخري، ولكنها لن تضع أوزارها حتي يوم القيامه).
وهكذا، فإن في موت قرنق المأساوي ربما كان موتاً لحلمه في السلام الدائم بين الشعوب السودانية، إلي حين إشعار آخر، أي إلي أن تصحو شعوب السودان وتستعيد شعار (السودان الجديد) الذي رفعه الراحل العظيم جون قرنق دي مابيور بكل استحقاقاته. والسلام.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!