الحلنقي لـ “سلا نيوز”: بريق الأغنية رحل مع “الحوت” الذكرى السنوية العاشرة لرحيل محمود عبد العزيز

52

الخرطوم – بشير النور
عن مضي نحو عشر سنوات على رحيل الأسطورة محمود عبد العزيز (الحوت)، قال الشاعر السوداني إسحق الحلنقي، لـ (سلا نيوز) إنه “برحيل الفنان (الحوت) رحلت متعة الأغنية السودانية التي كنا نتمناها وذهب بريقها الي طريق المجهول.”
وشبَّه إسحق الحلنقي في تصريح لـ (سلا نيوز) محمود عبد العزيز (الحوت) بـ (وردة) موجودة في غابة مليئة بالأشواك و(شمعة) في طريق (التائهين) من الفنانين وفي عوالم الموسيقى.
وقال الحلنقي “كانت ابتسامة الحوت (البيضاء) أطلت على الدنيا بألف صباح، ثم غادر الحياة الدنيا ليترك لنا حسرة لم تهدأ حتى الآن”.
حي المزاد
ولد محمود عبد العزيز في 16 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1967م، في مدينة الخرطوم بحري بولاية الخرطوم وقد نشأ في حي المزاد في الخرطوم بحري. بدأ مسيرته الفنية في الغناء منذ الصغر، وكان انطلاقه في عام 1987 حيث التحق بمركز شباب بحري، ليبدأ بعدها الغناء وإصدار العديد من الأغاني والألبومات الغنائية.
وتوفي الفنان محمود عبد العزيز في 17 يناير /كانون الثاني من عام 2013.
ومن أشهر الألبومات التي أطلقها الحوت خلال مسيرته الفنية (ما تشيلي هم، برتاح ليك، سكت الرباب، نور العيون، اكتبي لي، الحنين، وغيرها الكثير)
وقال الشاعر إسحق الحلنقي لـ (سلا نيوز) إن الحوت من الفنانين الذين كسروا (شوكة) قلعة حقيبة الفن والخروج من بوابتها إلى فضاء أرحب .
وأشار الحلنقي إلى مساهمة محمود في نشر الأغنية السودانية بطريقة متطورة وداعمة لها بصورة إبداعية، مستصحبا فيها موسيقى متكاملة ساهمت في نشر الأغنية السودانية.
مشروع إنسان
وبحسب متابعين لا تزال إلى اليوم أغنيات محمود عبد العزيز تشكل حضوراً في وجدان آلاف من الشباب السوداني، بينما يقوم البعض بكتابتها على مركباتهم الخاصة تعبيرا عن محبتهم للحوت.
ويعتقد الشاب رامي عبد القادر أحد معجبي (الحوت) أن محمود عبد العزيز بالنسبة له ليس فناناً عابراً، بل يمثل مشروعاً إنسانياً متسعاً باتساع فنه، فهو مطرب ومادح وتمتاز شخصية الحوت بنواح إنسانية كبيرة، حسب ذكره.
وقال عبد القادر لـ (سلا نيوز) إن محمود يُعدٌّ محدثاً في الأغنية السودانية، وذلك لإحيائه العديد من الأغنيات القديمة، حيث تغنى بها بعد أن أعاد عملية توزيعها وأدائها بشكل بطرق تختلف عن الرواد.
سياج الذوق
وقال الناقد الفني مصعب الصاوي لـ (سلا نيوز) إن الراحل محمود عبد العزيز وضع سياجاً للذوق العام والوجدان وحافظ عليه وسط الشباب في ظل منافسة كبيرة بالفضائيات العالمية.
وأشار الصاوي إلى تقبُّل غالبية الشباب السوداني لغناء محمود رغم وجود منافسه شرسة، حيث قدم محمود مكتبة متكاملة للأغنية السودانية في ذاكرة الشباب، من بداية التراث مروراً بفترة الحقيبة، ثم الأغنية الحديثة المعاصرة (الوترية).
وأوضح الصاوي أن مدرسة محمود الخاصة أسهمت في بناء ذاكرة الشباب وتعريفهم بالسودان وتاريخه.
وتابع: “محمود اثبت للفنانين أن تقليد الكبار منهم هي مرحلة (مؤقتة) وعلى الفنان أن يستقل ويسلك طريقه الخاص، ويمكن ان ينجح فيه كما أثبت محمود نجاحاً منقطع النظير”.
وقال الصاوي إن محمود عبد العزيز يهتم بالجودة بصورة كبيرة في الأعمال الفنية التي تسبقها بروفات.
وذكر: “محمود يغني بحسب المنطقة ونوعية البيئة والجمهور سواء أكانوا طلاب جامعات أو جمهور حفلة تجارية، فنهج محمود لكل مقام ومكان غناء”.
وأبان مصعب أن مسيرة محمود الفنية بها نحو 50% للجوانب الإنسانية، فإذا كانت لمحمود 4 حفلات منها 2 مخصصة لحالات إنسانية، كتبرع لعلاج الأطفال والمساعدة في الأعمال الخيرية.
وروى مصعب أن لمحمود علاقات حميمية منفتحة مع أعضاء الفرقة الموسيقية وأبنائهم، ومساعدتهم. وقال إن محمود لا يرضى بـ (هضم) حقوق الموسيقيين المالية في الحفلات وحتى إذا (باظت) الآلة الموسيقية للعازف، فمحمود يقوم بشرائها من جيبه الخاص.
الأبعاد الجمالية
وقال الصحفي المتخصص في الشؤون الفنية الزبير سعيد لـ (سلا نيوز) “نجح المطرب محمود عبد العزيز في وضع بصمته في خارطة الغناء السوداني من خلال ذلك الأداء القوي، الذي اكتسب تفرده من تميز (الحوت) بصوت طروب يتحرك في القرار والجواب بشكل عفوي وانسيابية تعطي الأغنية كامل أبعادها الجمالية”.
وأوضح سعيد أنه لا شك أن الحوت راهن على أغنياته الخاصة، التي اعتمد فيها على مجموعة من الشعراء والملحنين الشباب الذين قدموا مع الحوت عدداً من الأغنيات التي تميزت بأفكار لحنية جديدة، وانفتحت على مختلف الإيقاعات السودانية.
وتابع: “هنا لابد من الإشارة إلى أن الحوت حقق نجوميته بأغنياته الخاصة، كما أنه ظل يقدم تلك الأغنيات بمصاحبة أوركسترا كاملة (البعد الخامس والنورس) وذلك في الوقت الذي كان معظم رفاقه من الفنانين الشباب في حالة تأثر كامل بتجربة الفنان حيدر بورتسودان الذي قدم نموذج المطرب الذي يعتمد بصورة كاملة على (الأورغ).
التسعينيات
وأرجع سعيد أهم عوامل نجاح تجربة الفنان محمود عبد العزيز إلى الجمهور العاشق من الشباب الذين كانوا من أهم دوافع محمود عبد العزيز لإنتاج المزيد من الأغنيات الخاصة في وقت وجيز وتقديمها للجمهور عبر أجهزة الكاسيت التي وصلت قمة ازدهارها في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
تمرد الحوت
وقال إن من المهم جداً الإشارة إلى طريقة محمود في الأداء، وهي طريقة أدائية تمرد فيها على كل أشكال الأداء الغنائي التي سادت في ذلك الوقت والتي كان معظم الشباب من المطربين في حالة تأثر واضح بطريقة الفنان عمار السنوسي الذي كان أحد أبرز النجوم في تلك الفترة .
ومن الملاحظات الجديرة بالوقوف عندها – حسب سعيد – في تجربة الفنان محمود عبد العزيز أن بعض المطربين الشباب الذين هم في ذات سنه أو جيله بدأوا في تقليده وترديد أغنياته في ذات الفترة التي لمع فيها نجم الحوت. والمعروف في السودان أن المطربين الشباب عادة ما يتجهون إلى تقليد فنان يكون قد سبقهم في التجربة ويكبرهم في السن.
حطم القاعدة
وبحسب سعيد، حطم محمود عبد العزيز القاعدة التي تقول إن (الكثرة لا تعني الجودة)، وذلك بتقديمه مجموعة كبيرة جداً من الأغنيات الخاصة في فترة وجيزة جداً، وكانت كلها ناجحة بامتياز وتقبلها الجمهور بحفاوة كبيرة.
وسأل سعيد الله بالدعاء الصادق للفنان الراحل الأسطورة محمود عبد العزيز الرحمة والمغفرة ولأسرته الصبر الجميل ولجمهوره العريض بالتوفيق في إحياء ذكرى الحوت الذي أحبوه لأنهم وجدوا في مشروعه الإبداعي ما لم يجدوه في برامج كل الأحزاب والقوى السياسية بمختلف مشاربها.
الحواتة في خط الثورة
وقال رئيس مجموعة أقمار الضواحي السابق محمد بابكر لـ (سلا نيوز) إن احتفالاتهم بذكرى (الحوت) العاشرة يوم الثلاثاء ستكون بالتزامن مع الثوار في المواكب الشارع بجانب الثوار برفع (هاشتناق) لأن الحواتة – بحسب بابكر – وقود الثورة.
وبين برامج أقمار الضواحي لإحياء الذكرى العاشرة لرحيل الأسطورة الحوت، تقدم مجموعة أقمار الضواحي وجبة غذائية لمرضى السرطان بمستشفى الذرة والأطفال الذين يتلقون الجرعات ببرج الأمل.
وأضاف “خصصنا أجر هذه الوجبة لشهداء الثورة المجيدة وأرواح شهداء يوم 17 يناير/ كانون ثاني 2019 وهم الشهيد الدكتور بابكر عبدالحميد والشهيد معاوية بشير ولروح الشهيد الفاتح النمير الذي أصيب في هذا التاريخ، واستشهد لاحقاً، وكذلك لشهداء مجزرة 17 يناير/ كانون ثاني 2022م، وهم الشهيد مضوي والشهيد سراج الدين والشهيد حسن إبراهيم والشهيد بشير علي (بيشو) والشهيد عبدالله الشريف والشهيد إسحق آدم هارون والشهيد الحاج مالك الحاج، سائلاً الله أن يرحمهم ويغفر لهم ويعوض شبابهم الجنة وأن يجعلهم من أصحاب اليمين.
وقال بابكر إن المجموعة ظلت تقيم الذكرى السنوية برعاية ودعم “الحواتة” طيلة عهد الإنقاذ وترفض مشاركة أي مسؤول حكومي طيلة عهد الإنقاذ.
وأضاف “تفاجأنا بإعلان مجموعة (محمود في القلب) قيام ذكرى الحوت غدا الثلاثاء باستاد الخرطوم برعاية نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الأمر الذي أعلت رفضه تماماً أقمار الضواحي لأن حميدتي تدور حوله استفهامات كثيرة بينها فض اعتصام القيادة العامة، وما حدث في دارفور حتى ولو لم يعملها.
وتابع: لا يمكن إقامة احتفال بذكرى محمود ودماء الشهداء لم تجف بعد.
شيخ لمن لا شيخ له
وفي بيان نعي سابق للمكتب الخاص للصادق المهدي آخر رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا في السودان، أوضح ان محمود صار بأدائه أيقونة للفن السوداني، وصارت له شعبية مستحقة منقطعة النظير في أوساط الشباب.
كما تغنى بمدح النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر أشواقا روحية.
وقال المكتب إن العولمة الإعلامية جعلت الشباب السوداني مشدوداً للفن غير السوداني، فاغترب كثير منهم فنياً، ولكن أداء محمود الفني شدهم للفن السوداني فاسهم إسهاماً كبيراً في (سودنة) الوجدان الفني لدى الشباب.
ونوه المكتب إلى أن الكثير من الشباب وجدوا في محمود ملاذاً فأحبوه وتعلقوا برمزية الحواتة، فصار شيخاً لمن لا شيخ له، وعزاءً لمن لا عزاء له

التعليقات مغلقة.