ثقافة منوعات

محمود ياسين… الظل في الجانب الآخر

علامات سينمائية بارزة، ومشوار فني طويل، للفنان المصري الراحل محمود ياسين الذي غادر دنيانا عن عمر 79 عاماً صباح اليوم الأربعاء.

وعلى الرغم من مروره بأزمة صحية منذ سنوات، تتمثل في إصابته بمرض ألزهايمر، وعدم تذكره لكل من حوله، إلا أن محبيه في مصر والعالم العربي كله لن ينسوا تاريخه الفني الحافل بالأفلام والمسلسلات والمسرحيات التي وصلت إلى نحو 300 عمل، حاز بسببها على عشرات الجوائز والتكريمات.

منذ عامين تقريباً وشائعات وفاة الفنان القدير لم تتوقف. وبسبب ارتباط عائلته الشديد به، لم يستطع أفرادها تحمل أن تميت الشائعات والدهم وهو حي بينهم، فهددوا مروّجي هذه الشائعات في البداية عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنها أيضاً لم تتوقف، ما دفع نجله المؤلف عمرو محمود ياسين، وابنته الفنانة رانيا محمود ياسين، وزوجته الفنانة المعتزلة شهيرة، للجوء إلى نقابة المهن التمثيلية برئاسة الفنان أشرف زكي الذي بدوره تقدم ببلاغ إلى النائب العام ضد كل من نشر خبرا يؤذي مشاعرهم في ما يخص وفاة ياسين.

وعلى الرغم من نفي أسرته كثيراً خبر إصابته بألزهايمر، وحرص أبنائه على نشر فيديوهات له في منزله وهو يتحدث معهم، إلا أن زوجته أرادت حصد دعوات الملايين من محبيه، وأعلنت بنفسها خبر إصابته بألزهايمر عبر مداخلة هاتفية في أحد برامج التلفزيون المصري في شهر أغسطس/ آب الماضي، مؤكدة تدهور حالته الصحية، وأنه يعاني من مرض ألزهايمر منذ ثماني سنوات، ولم يعد يتذكر سوى أفراد أسرته والبعض من زملائه الفنانين ممن عملوا معه أو لديهم ذكريات معه. وأضافت أنها تتمنى أن تستقر حالة زوجها ولا تشهد أي تدهور أكثر من ذلك، لأنها منذ فترة وصلت إلى مرحلة عدم التحسن على الإطلاق. وأشارت إلى أن آخر جنازة حضرها محمود كانت للراحل نور الشريف، ولكن بعد ذلك أصبحت تُخفي عنه أخبار وفاة زملائه حتى لا يصاب بالاكتئاب، فهو لم يعرف شيئا مثلا عن وفاة زملائه محمود عبد العزيز وفاروق الفيشاوي ورجاء الجداوي.

وبالعودة إلى تاريخ محمود ياسين الفني، قال المؤرخ المسرحي عمرو دوارة، في لقاء له، إن المسرح كان عشقاً للفنان الراحل، وبدأه من خلال بعض فرق الهواة وبالتحديد فرقة “المسرح الطليعي”. وبعد انتهاء دراسته الثانوية، رحل إلى القاهرة، ليلتحق بكلية الحقوق في “جامعة عين شمس”، وطوال سنوات دراسته كان حلم التمثيل داخله، فشارك في بطولة عدة مسرحيات من خلال المسرح الجامعي، كما سعى إلى الاحتراف، ولذلك تقدم قبل تخرجه مباشرة لمسابقة أعلن عنها في فرقة “المسرح القومي”، وجاء ترتيبه الأول في ثلاث تصفيات متتالية.

تخرج من كلية الحقوق في “جامعة القاهرة” عام 1964، وكان قد نجح في الالتحاق بالمسرح القومي قبلها بعام، ومن المصادفات القدرية أنه تولى مسؤولية إدارة “المسرح القومي”، خلال الفترة من 1988 إلى عام 1990. وبدأ مشواره بمسرحية “الحلم” مع المخرج عبد الرحيم الزرقاني، ثم توالت أعماله المسرحية، وقدم أكثر من عشرين عملاً، منها “عودة الغائب” و”وطني عكا” و”سليمان الحلبي” و”الخديوي” و”ليلة مصرع غيفارا” و”ليلى والمجنون”. وقد تولى في إحدى الفترات إدارة المسرح القومي، لكنه قدم استقالته بعد عامين لأنه رفض أن يأخذه العمل الإداري من عمله كممثل.

أما على النطاق السينمائي، فاكتشفه المنتج الراحل رمسيس نجيب الذي شاهده وهو يقف على خشبة المسرح، ليعطيه أول فرصة سينمائية له من خلال فيلم “الرجل الذي فقد ظله”، وكان ذلك عام 1968. وأتيحت لياسين وقتها الفرصة للوقوف أمام نجوم بحجم ماجدة وكمال الشناوي. ولفت الفنان الراحل الأنظار إليه بشدة ليقدم في العام نفسه فيلمين، هما “ثلاث قصص” و”القضية 86″.

وعام 1969 شارك بدور ليس كبيراً مع الفنانة شادية في فيلم “شيء من الخوف”، لكن الانطلاقة الحقيقية والفرصة كانت حينما شارك أمامها كبطل في فيلمها “نحن لا نزرع الشوك”، عام 1971، ليكون هذا العام هو عام تعرف الجمهور بشكل كبير إليه، وكان فتى أحلام الفتيات في ذلك التوقيت، إذ اتسم، في دوره “حمدي”، بالرومانسية الشديدة.

وفي العام نفسه، أعلنت الفنانة الراحلة فاتن حمامة عن مسابقة لاختيار وجه جديد للعمل في فيلمها “الخيط الرفيع”، فتقدم ياسين للمسابقة، وبالفعل لفت نظرها ونظر مخرج العمل هنري بركات. ومع بدء التصوير، كانت هناك قُبلة تجمعه بها، وارتبك وأعاد المشهد كثيرا، لكن شجعته، وبالفعل كان هذا العمل هو الانطلاقة الحقيقية الأولى له، ونشأت صداقة تجمع بينه وبين فاتن حمامة، أسفرت عن تعاونهما في فيلمين، هما “أفواه وأرانب” و”حبيبتي”.

كان لياسين حظ كبير في الوقوف أمام جميلات السينما المصرية، فبعد عمله مع فاتن حمامة وشادية، شارك الفنانة نجلاء فتحي في عدة أفلام، منها “اذكريني”، و”رحلة النسيان”، و”سونيا والمجنون”، و”حب أحلى من حب”، و”أنف وثلاث عيون”، و”لا يا من كنت حبيبي”، و”الشريدة”، و”امرأة مقاتلة”، و”مدافن مدفونة للإيجار”.

عمل ياسين أيضاً مع كل من الفنانات نبيلة عبيد ونادية الجندي وماجدة، وغيرهن.

وبعدما لفت محمود ياسين الأنظار إليه في الأدوار الاجتماعية والرومانسية، كان على موعد مع لقاء جمهوره بشكل مختلف تماما، وكان ذلك بأعماله الوطنية، إذ قدم ثمانية أفلام وطنية بدأها بعد انتصارات حرب أكتوبر؛ عام 1974 أطل في فيلم “الرصاصة لا تزال في جيبي”، ثم فيلم “بدور”. وعن مرحلة حرب الاستنزاف قدم فيلم “حائط البطولات”، وبعده قدم أفلام “الوفاء العظيم”، و”أغنية على الممر”، و”الظلال في الجانب الآخر”، و”الصعود إلى الهاوية”، و”فتاة من إسرائيل”.

وحصل محمود ياسين على جائزة الدولة عن سلسلة أفلامه عن الحرب والتي كانت تبث روح الحماسة في نفوس الشعب المصري، ثم حصل على جوائز عديدة تجاوزت الخمسين جائزة، مثل جائزة الإنتاج من مهرجان الإسماعيلية وجائزة من مهرجان طشقند، وجائزة السينما العربية في أميركا وكندا عام 1984 ومهرجان عنابة في الجزائر عام 1988.

ما اختير رئيس تحكيم لجان مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عام 1998، ورئيس شرف المهرجان في العام نفسه، وحصل أيضاً على جائزة أحسن ممثل في مهرجان التلفزيون لعامي 2001 و2002، واختارته الأمم المتحدة سفيراً للنوايا الحسنة لمكافحة الفقر والجوع لنشاطاته الإنسانية المتنوعة.

وكان آخر فيلم سينمائي له منذ ثماني سنوات من خلال فيلم “جدو حبيبي”، مع لبنى عبد العزيز وبشرى، وقدم من قبله وفي فترة الألفية بعض الأفلام لكن ليس كبطل مطلق، وذلك في فيلم “الجزيرة” الذي قدمه مع الفنان أحمد السقا، و”الوعد” مع آسر ياسين.

وفي فترة الألفية قدم بعض المسلسلات التلفزيونية، مثل “وعد مش مكتوب”، و”سلالة عابد المنشاوي”، و”العصيان”، و”حكاوي طرح البحر”، و”سوق العصر”، وغيرها من الأعمال التي حققت نجاحاً. وكان آخر عمل تلفزيوني ظهر فيه هو “ماما في القسم”، مع الفنانة سميرة أحمد، عام 2010.

وكان من المفترض أن يشارك في بطولة مسلسل “صاحب السعادة” مع الفنان عادل إمام منذ ست سنوات، إلا أنه انسحب، كما اعتذر عن المشاركة في بطولة مسلسل “الجماعة” للكاتب وحيد حامد، بسبب ظروفه الصحية.

لم تكن حياة الفنان الراحل الخاصة بمنأى عن الإعلام، وخاصة أن معظم أفراد عائلته يعملون في الوسط الفني، فزوجته هي الفنانة شهيرة التي تعرف إليها ونشأت بينهما قصة حب قوية أسفرت عن وجود 14 فيلما بينهما، لعل أشهرها “سؤال في الحب” و”نواعم” و”عودة الهارب” و”أنا وابنتي والحب” و”عصر الحب” و”شقة في وسط البلد”.

أنجب نجله عمرو الذي يعد حالياً من أشهر مؤلفي الدراما التلفزيونية، وابنته رانيا التي عملت في مجال التمثيل لأول مرة في فيلم “قشر البندق” عام 1995، من إنتاج والدها الذي أنتج أيضا ثمانية أعمال أخرى، أشهرها أفلام “الجلسة سرية” و”تحياتي لأستاذي العزيز” و”رحلة الشقاء والحب”.

بجوار عمل محمود ياسين في التمثيل والإنتاج، كانت له تجربة واحدة مع التأليف وذلك من خلال مسلسل “رياح الشرق” الذي قدمه عام 1988.

ولأن صوته كان مميزاً، فقد شارك في بعض الإعلانات التجارية بصوته فقط، كما كان له تعليق صوتي على الفيلم الوثائقي “محمد بيومي ووقائع الزمن الضائع”، عام 1989، وكان الراوي صوتيّاً في فيلم “الرسالة” الذي قدمه عام 1976.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: